الرئيسية » الأخبار » عمر أزراج يرصد “يوميات الحراك الشعبي” في كتاب جديد

عمر أزراج يرصد “يوميات الحراك الشعبي” في كتاب جديد

 

فيصل شيباني

 صدر عن دار خيال للنشر كتاب جديد بعنوان “يوميات الحراك الشعبي” للكاتب الجزائري الكبير عمر أزراج،  الذي قدم بعض المقاربات التي يتضمنها هذا الكتاب قبل إنفجار الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 وبعضها الآخر خلاله، أي في الفترة ما بين 15 /11/ 2018و 8/ 8/ 2019م على صفحات جريدة “العرب الدولية”، ويعتبرها الكاتب إستمرارا لمئات المقاربات الأخرى التي  أنجزها ونشرها تباعا على مدى أكثر من 33 سنة على صفحات مجلة “الدستور” التي كانت تصدر ببريطانيا لغاية تسعينيات القرن العشرين،  وجريدة  العرب الدولية.

يقول عمر أزراج في مقدمة الكتاب أن غايته ككاتب وطني، كانت وما تزال هي الإنغماس في  الشأن الجزائري بالنقد والتحليل  وهدفه الأساسي هو  المساهمة في رصد جذور المشكلات الكبرى، التي  تتخبط الجزائر فيها منذ خروج الجيش الفرنسي الاستعماري من أراضيها،  ومحاولة  إقتراح الحلول لها.

 ويرى أزراج أنه أدرك بكثير من الألم والخيبة  أن الاستقلال قد تحول إلى  عبء ثقيل في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون فرصة تاريخية حاسمة لبناء الدولة الوطنية المتطورة والديمقراطية، والتمهيد لذلك بإنجاز طور المجتمع الديمقراطي، معتبرا أن خروجه من الجزائر واستقراره ببريطانيا قد وفَر له  فرصة ثمينة جدا لقراءة تاريخ الجزائر القديم والحديث والمعاصر، ولقد ساعده ذلك على كشف المكونات الثقافية والنفسية والذهنية الأساسية للشخصية الوطنية الجزائرية، وللتعرجات المحورية التي  تميز بها تاريخها وللكدمات العميقة التي  تعرضت لها هذه المكونات، وما تزال تؤثر فيها سلبيا بشكل عميق.

يعتقد أزراج من خلال كتابه أن أنماط الفشل تراكمت على مدى سنوات وأدت إلى الثقافة السياسية  المكرسة لدولة النظام وليس لنظام الدولة، ولحكم الرجل الواحد ومعه الشلل والولاء الجهوي والعائلي، عوضا عن تداول الحكم ديمقراطيا على أساس ترابط مصالح المواطنين، مضيفا أن فسيفساء المشهد السياسي الجزائري وكذا التمزقات التي يعاني منها المجتمع الجزائري هي نتيجة لفسيفساء  الثقافة الجزائرية السائدة التي تختلط فيها بقايا النزعات الإقطاعية، وتمركز الفردية الاستغلالية اللاغية للجماعية.

وفي المقاربات التي خصصها لمتابعة نشاطات الحراك الشعبي بدءا من  22 فبراير 2019  تبرز عدة مسائل منها التركيز على قراءة هذا الحراك كمقدمة ضرورية لخلخلة الجمود السياسي الذي خيم على الجزائر، خاصة بعد إخماد الصراع المسلح الذي تميزت به فترة العشرية الدموية بطريقة غلب عليها “الكبت” الأسباب الحقيقية التي تسببت في مآسي تلك العشرية

ويرصد الكتاب ملاحظات أساسية عن مرحلة بوتفليقة وكونها لم تؤسس مجتمع العقلانية الحديثة  فكريا وثقافيا ونفسيا وماديا في الجزائر يمكن وصفها كمقدمة لأي  تحول حقيقي  يمكن أن يحدث  قطيعة مع المعطيات المادية والثقافية المتخلفة، والرجعية التي ولَدت المناخ السائد في الجزائر قبل انفجار العشرية الدموية، وخلال  أهوالها، وهكذا يمكن النظر إلى صيغة اتخذها إنفجار الحراك الشعبي كرفض عفوي لتوريث الحكم أو لإختزاله في شخص معين أو في العائلة أو الجهة أو في شلة، ويمكن إعتباره أيضا كمحاولة مبدئية لتصحيح الأخطاء قوَضت خيار التعددية الحزبية.

ومن خلال تصوره يرى أزراج أن الحراك الشعبي الجزائري له خصوصيته السلمية، حيث تجنب عن وعي، لا يخلو أحيانا من العفوية الإيجابية، تكرار الممارسات التي أدت إلى العشرية الدموية في الجزائر،  كما قام بتجاوز أخطاء العنف المادي التي وقع فيها ما يسمَى بالربيع العربي، وحتى هذه اللحظات لا أحد في الساحة السياسية أو الشعبية قدم حقائق دامغة تبين الجهة التي خططت للتمرد الشعبي من وراء الستار وحركت في البداية المجموعات البشرية التي كان لها ضلع في إشعال الشارع الجزائري  وتحريك مئات الآلاف ثم ملايين المواطنين والمواطنات في مظاهرات عارمة شهدتها وما تزال تشهدها  مختلف ولايات الوطن، و توضح أسباب اختيار المناطق التي انطلق منها التمرد على بوتفليقة وجماعته لمعارضة العهدة الخامسة للرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة ثم توسعت عبر الجزائر العميقة، وتطورت الأحداث إلى المطالبة برحيل النظام الحاكم كله بغية تحقيق الشعار المرفوع في المظاهرات وهو إحداث التغيير الراديكالي في منظومة الحكم.

ويسجل الكتاب عدة ملاحظات سريعة منها أن الحراك الشعبي يتميز بتعدد ألوان وتوجهات تياراته العقائدية، رغم أن هناك من يسوق لفكرة أن الأيديولوجيا ليس لها مكان في فضاء هذا الحراك، وإلى جانب ذلك فإن تنوع هذه التيارات لم يطرح أصحابها المشروع الحضاري الوطني الجزائري المتمثل في جماليات وأخلاقيات ومضامين الدولة العصرية بمختلف أركانها المادية والرمزية، ويبدو أن إنجاز التغيير الراديكالي لا يزال شعارا مرفوعا بإلحاح ولكن مثل هذا المشروع مشروط دائما بخريطة الطريق التي تكون الدليل الذي يقود إلى تجسيده في مختلف البنيات الفوقية والتحتية المتضافرة.