تحول الشاب عبد الناصر بن كلفة إلى حديث الجزائريين خلال الساعات الأخيرة، بعدما خاطر بحياته في عملية إنقاذ بطولية حبست الأنفاس، إثر تسلقه واجهة عمارة سكنية مكونة من عشرة طوابق بحي الياسمين في بلدية بئر الجير بوهران، لإنقاذ طفلين كانا عالقين داخل شقة التهمتها ألسنة النيران.

ووثقت مقاطع فيديو متداولة على نطاق واسع اللحظات الصعبة التي عاشها الشاب، وهو يتسلق الشرفات والشبابيك الحديدية للطوابق العليا دون أي وسائل حماية أو معدات سلامة، في محاولة للوصول إلى الطفلين اللذين كانا يواجهان خطر الاختناق والحروق داخل الشقة المحترققة.

كيف جازف الشاب بحياته؟

وفي تصريح لوسائل إعلام محلية، كشف عبد الناصر بن كلفة تفاصيل تدخله البطولي، مؤكدا أنه كان جالسا في الحي عندما لفت انتباهه تصاعد ألسنة اللهب من إحدى الشقق السكنية.

وأوضح أنه شاهد حالة الهلع التي سادت المكان، بينما تجمع المواطنون لمتابعة الحريق، قبل أن يلاحظ وجود طفلين عالقين بشرفة الشقة وسط الدخان الكثيف والنيران المتصاعدة.

وقال الشاب إنه رأى صاحبة الشقة في وقت سابق تتسوق في أحد المحلات التجارية بالحي، وعندما أدرك أن الطفلين يواجهان خطرا حقيقيا، لم يتردد في اتخاذ قرار الصعود من أسفل العمارة نحو الطابق العاشر لإنقاذهما.

وأضاف أن الوضع كان خطيرا للغاية، خاصة مع استمرار انتشار الدخان داخل الشقة، ما دفعه للوصول إلى الشرفة ومحاولة تهدئة الطفلين إلى حين وصول فرق الإنقاذ.

وبمجرد وصوله إلى مكان الطفلين، سارع الشاب إلى تغطيتهما ببطانية مبللة لحمايتهما من الحرارة وألسنة اللهب، في وقت كان فيه عدد من الشباب المتواجدين فوق سطح العمارة يساهمون في سكب المياه للتقليل من حدة النيران والدخان المتصاعد من داخل الشقة.

من جهتها، أوضحت مصالح الحماية المدنية لولاية وهران أن وحداتها تدخلت على الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق زوالا بحي الياسمين ببلدية ودائرة بئر الجير، إثر اندلاع حريق داخل شقة تقع بالطابق العاشر لعمارة سكنية.

وأكدت المصالح ذاتها أن أعوانها تمكنوا من السيطرة على الحريق ومنع انتشاره إلى بقية الطوابق والبنايات المجاورة، كما تم إنقاذ امرأة تبلغ من العمر 32 سنة تعرضت لحروق على مستوى اليد اليمنى، ورجل يبلغ من العمر 35 سنة، إضافة إلى طفلين يبلغان من العمر 6 و8 سنوات.

وأشارت إلى أن الضحايا تلقوا الإسعافات الأولية بعين المكان، فيما تم تحويل المرأة إلى المستشفى لمتابعة العلاج.

وأثار التدخل الشجاع للشاب عبد الناصر بن كلفة إشادة واسعة من السلطات، حيث تقدمت المديرية العامة للحماية المدنية بخالص الشكر والتقدير له، مؤكدة أنه جسد أسمى معاني الشجاعة والإيثار من خلال تدخله البطولي لإنقاذ الأرواح ومساعدة العالقين.

وأبرزت المديرية أن ما قام به الشاب يعكس قيم التضامن والنجدة والإنسانية المتجذرة في المجتمع الجزائري، موجهة التحية إلى كل الشباب الذين يهبون لمساعدة الآخرين في أوقات الشدة والخطر.

وعد رسمي بتوظيف “بطل وهران”

كشف مدير الحماية المدنية لولاية وهران مرافقة الشاب عبد الناصر بن كلفة والعمل على إدماجه ضمن صفوف الحماية المدنية.

وأكد المسؤول أن الشاب قدم تدخلا نوعيا واستثنائيا، وعرض نفسه لخطر حقيقي من أجل إنقاذ أرواح بشرية، معتبرا أن ما قام به يجسد روح الوطنية والشجاعة التي ينبغي تثمينها وتشجيعها.

ويعد هذا الوعد بالتوظيف أحد أبرز المكافآت المعنوية التي تلقاها الشاب بعد العمل البطولي الذي أنجزه، خاصة وأن الكثيرين رأوا فيه نموذجا مثاليا لرجل الإنقاذ الميداني.

وفي سياق متصل تلقى بن كلفة ناصر عرضا للتوظيف من إدارة مطار وهران الدولي “أحمد بن بلة”، بعد تلقيه لاتصال هاتفي أجراه المدير العام للمطار نجيب بن شنان مع الشاب البطل، في إطار تجسيد ثقافة الاعتراف بالمواقف الإنسانية النبيلة وتشجيع روح المواطنة والتضامن.

وتندرج هذه المبادرة ضمن تعليمات وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية ووزير النقل السعيد سعيود، الرامية إلى تثمين النماذج المشرفة من الشباب الجزائري الذين يقدمون مواقف بطولية في خدمة المجتمع.

ومن جانبه، أكد عبد الناصر بن كلفة أنه تلقى بالفعل اتصالا يتعلق بتوظيفه بمطار وهران، معربا عن امتنانه لوزير الداخلية السعيد سعيود ولإدارة المطار على الاهتمام الذي أولوه له بعد حادثة الإنقاذ التي لاقت صدى واسعا داخل وخارج الجزائر.

ووجه وزير الشباب مصطفى حيداوي رسالة شكر وتقدير إلى الشاب البطل، مثنيا على شجاعته وتدخله لإنقاذ الأرواح ومساعدة العالقين أثناء الحريق.

وأكد حيداوي في رسالة نشرها عبر حسابه على فيسبوك أن عبد الناصر بن كلفة قدم نموذجا مشرفا للشباب الجزائري الأصيل، بعدما بادر بكل شجاعة وإيثار لإنقاذ العالقين، مشيرا إلى أن ما قام به يجسد أسمى معاني المواطنة والتضامن ويؤكد أن روح النخوة ما تزال متجذرة في شباب الجزائر.

وفي سياق متصل، بادرت جمعية “راديوز” إلى تكريم الشاب البطل عبد الناصر بن كلفة تقديرا لشجاعته وموقفه الإنساني.

كما أهدت الجمعية رحلة عمرة إلى والدته، معتبرة أن هذا التكريم يمثل عربون وفاء لعائلة أنجبت شابا لم يتردد في التضحية بحياته من أجل إنقاذ الآخرين.

تفاعل واسع للمشاهير ورواد التواصل

أشعلت الواقعة منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول آلاف النشطاء مقاطع الفيديو الخاصة بعملية الإنقاذ، معبرين عن إعجابهم الكبير بشجاعة الشاب وإقدامه.

كما تفاعل عدد من الشخصيات المعروفة مع الحادثة، وفي مقدمتهم الإعلامي والصحفي الرياضي حفيظ دراجي، الذي وصف المشهد بأنه “بطولي يحبس الأنفاس”.

وأكد دراجي في منشور عبر صفحته على فيسبوك أن ما قام به الشاب الجزائري يجسد أسمى معاني الشجاعة ونكران الذات، معتبرا أن مثل هذه المواقف الإنسانية تستحق كل التقدير والاحترام، وتبقى مصدر فخر وإلهام للمجتمع.

وتحول اسم عبد الناصر بن كلفة خلال ساعات إلى رمز للشجاعة والتضحية في الجزائر، بعدما أثبت أن روح النخوة والتضامن لا تزال حاضرة لدى الشباب الجزائري والمجتمع ككل.