تحقيقات وتقارير

قاعات السينما في الجزائر.. الإهمال والعشوائية

فيصل شيباني
طالما شكلت السينما واجهة البلدان التي تعرف قيمتها، و مصدرا مهما للدخل القومي، ولن نذهب بعيدا فيكفي أن نتوجه غربا نحو الشقيقة المغرب لنكتشف أن 77 مليون دولار هو دخل الإنتاج السينمائي الأجنبي نظير تصوير أفلام ضخمة خاصة في أستوديوهات ورزازات، أما في الجزائر فالحديث عن التصوير يعد ضرب من الخيال، على الأقل في الوقت الحالي، هذا الحال يعكس ضعف الإنتاج السينمائي الوطني والأجنبي ويضاف إليهما مشكل آخر وهو الوضعيات الكارثية لقاعات السينما.
ربما سيستغرب الجزائريون إذا علموا أن الجزائر تمتلك أكثر من 342 قاعة سينما، ورثتها عن فرنسا خلال فترة تواجدها الإستعماري، الصادم في الأمر هو أن عدد القاعات التي تشتغل حاليا هو 80 قاعة فقط، هذا الرقم يلخص حال القاعات السينمائية في البلاد وما تعانيه من سوء تسيير جعلها تتخبط بين وزارتي الثقافة والداخلية، هذه الأخيرة مسؤولة عن 269 من مجموع القاعات الموجودة على مستوى القطر الجزائري، أغلبها لا تزال مغلقة منذ فترة العشرية السوداء التي عصفت بالسينما الجزائرية.

الإهمال

تملك مدينة الجزائر العاصمة لوحدها 38 قاعة سينما، أغلبها خارج الخدمة، 10 قاعات منها فقط مستغلة وتقدم عروضا، أما البقية فهي مهملة غير مستغلة، خصوصا تلك التابعة للبلديات والمتواجد معظمها على مستوى بلدية الجزائر الوسطى، بعد أن تم افتتاح بعضها، في وقت بقيت القاعات الأخرى مغلقة في صورة قاعات “الونشريس”، “بغداد”، “الحياة”، “تامغوت”، “الشهاب”، “الفتح”، “إفريقيا” وغيرها من القاعات التي تحولت من عرض للأفلام، إلى مكب للنفايات أو مرتعا للمنحرفين أو حتى مساكن لبعض العائلات التي وجدت فيها مأوى لها، كل هذا وسط صمت وإهمال من طرف مسؤولي البلديات، حيث يعتبرون مسألة إعادة تأهيل هذه القاعات آخر همهم، وخير مثال على ذلك قاعة سينما “إفريقيا” التي رممت بأكثر من 2 مليون دولار سنة 2011، إلَّا أن أبوابها موصدة في وجه عشاق الفن السابع لحد الساعة ، بعد قرار رئيس بلدية سيدي بغلقها بحجة أنها تعرض أفلام خليعة، ليعاد إفتتاحها سنة 2018 لتغلق من جديد .
وبالحديث عن القاعات التابعة للبلديات على مستوى بلدية الجزائر الوسطى، هناك أربعة قاعات في حالة نشاط، وهي “عمر الخيام”، “الجزائرية”، “الكازينو” و”سيبيسي”، باستثناء سينما “لوباري” التي كانت محل نزاع قانوني بين البلدية ومالكها وتم إسترجاعها حديثا من قبل البلدية، وهي حاليا في حالة ترميم، أما القاعات الأخرى، فما تزال محل نزاع، وهناك أخرى تابعة للخواص مغلقة حاليا، في حين أن البعض منها حاول أصحابها إستغلالها في نشاطات تجارية أخرى.

الجمهور

يتساءل المختصون في السينما بالجزائر عن غياب الجمهور على قاعات السينما، وذلك منذ دخول الجزائر في دوامة الإرهاب، حيث أغلقت أغلب القاعات ودخلت السينما الجزائرية مرحلة الإنعاش، هذا الوضع إنعكس على رغبة الجمهور في الإقبال على العروض السينمائية، رغم الإنتعاش الذي عاشته بعض القاعات خلال السنوات الأخيرة، مع ذلك هذا الجمهور بدأ يعود تدريجيا لتعطشه لمشاهدة الفيلم في فضائه الحقيقي، رغم أنه يمكنه متابعته في التلفزيون أو على الأنترنيت.
المصادفة الغريبة أن مؤسسة فنون وثقافة التابعة لولاية الجزائرالعاصمة وبالتعاون مع شركة خاصة تعرض آخر الإنتاجات العالمية من أفلام تجارية بقاعة “ابن خلدون” وتعرف طوابير طويلة من الجمهور المتعطش للفن السابع، هذه التجربة جعلت وزارة الثقافة تراجع سياستها مجددا وتتفتح على السينما التجارية الأمريكية مع حث مؤسساتها على التعاون مع موزعين خواص لعرض هذه الأعمال في مختلف قاعاتها، وهو ما تم فعلا في قاعات “الموقار”، “ابن زيدون”، “المغرب”، “السعادة” وغيرها وفق إستراتيجية تهدف إلى مغازلة الجمهور لإعادته إلى قاعات السينما، وفق رؤية تقتصر على الأفلام التجارية فقط، في وقت يبقى فيه الفيلم الجزائري مغيبا تماما والجزائريون لا يعلمون حتى بوجود إنتاجات سينمائية جزائرية جديدة.

العشوائية

بعد القانون الصادر سنة 1982 والقاضي بمنح البلديات صلاحية تسيير قاعات السينما، بدأت هذه الأخيرة تتراجع وتراجع معها إقبال الجمهور على العروض السينمائية، ومنذ ذلك الوقت لا يزال سوء التسيير هو المسيطر على المشهد السينمائي بحكم أن المشرفين على البلديات لا يفقهون في مجال السينما، ما دفع الكثيرين منهم لغلق أغلبها.
ورغم سعي وزارة الثقافة مؤخرا لإسترجاعها ومنح تسييرها للمؤسسات الثقافية، مع سن قوانين جديدة تضبط طريقة التسيير، إلا أنه لحد الساعة لم يتغير شيء، وتبقى كل القاعات مغلقة خصوصا التابعة للبلديات والتي يبلغ عددها 269 قاعة سينما.
مشكل التسيير لا يقتصر على المسؤولين في البلديات فقط، بل يتعداه إلى وزارة الثقافة التي فشلت هي الأخرى في تسيير القاعات التابعة لها، ويتجلى هذا من خلال غياب العروض والفشل في الإختيارات، فبعد أن أعطي الديوان الوطني للثقافة والإعلام الحق في استغلال القاعات،  عادت الوزارة من جديد لتكليف الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي بذلك.

السينماتيك

قاعات السينماتيك تعتبر الإستثناء الوحيد في دور العرض بالجزائر، نظرا إلى أنها لم تتوقف عن عرض الأفلام السينمائية، وبقيت محافظة على نسقها ومهمتها المتمثلة في الحفاظ على أرشيف السينما العالمية بحكم أنها متحف للسينما، وتحوز الجزائر على 19 قاعة سينماتيك، 11 منها تشتغل وتعرض أفلاما، في حين تم مؤخرا ترميم سينماتيك مدينتي باتنة و قسنطينة.
أما عن نوعية الأفلام التي تعرضها قاعات السينماتيك، حرصا منها على العودة إلى كلاسيكيات السينما العالمية، فتركز على تعريف الجمهور الجزائري بأفلام السبعينات والثمانينات، وحتى أفلام ستينيات القرن الماضي، ناهيك عن عرض أفلام جزائرية قديمة والتي تم ترميمها مؤخرا في مخابر إيطالية من طرف المركز الوطني للسينما والسمعي البصري، فيما تبقى قاعات السينماتيك بعيدة عن عرض الأفلام التجارية.