الرئيسية » مقالات الرأي » وأد المعرفة: محنة أقسام العلوم السياسية في الجامعة الجزائرية

وأد المعرفة: محنة أقسام العلوم السياسية في الجامعة الجزائرية

وأد المعرفة: محنة أقسام العلوم السياسية في الجامعة الجزائرية

منذ أزيد من خمس سنوات تواجه أقسام العلوم السياسية خطر الاندثار بعد عقد من الزمن انتشرت فيه عبر الكثير من الجامعات الجزائرية. وكانت بطالة خريجي التخصص المسألة الأساسية التي استندت إليها وزارة التعليم العالي لغلق الأقسام بطرق مباشرة وغير مباشرة. ورغم العديد من الحركات الاحتجاجية لطلبة وأساتذة التخصص وتغيير وزراء التعليم العالي إلا أن الوزارة لم تحد عن قرارها بل تُصر على تطبيقه وإن أبدت بعض التراجع في نقاط محددة واقترحت حلولا لمشكلات طرحت حول الموضوع.

في السطور التالية إحاطة بجوانب القضية وسرد لمأساة أقسام العلوم السياسية في الجامعة الجزائرية.

روايات متعددة لنهاية واحدة

تتداول الكثير من الروايات بين عائلة العلوم السياسية من طلبة وأساتذة تفسر أسباب غلق الأقسام تتراوح بين الأسباب الموضوعية وأحاديث المؤامرة ولكل منها مبرراتها.

الرواية الرسمية: أدلى وزراء التعليم العالي السابقون بالعديد من التصريحات إجابةً على أسئلة الصحافة أو نواب البرلمان الذين استفسروا عن أسباب غلق أقسام العلوم السياسية، وقد أوعزوا ذلك إلى عزوف الناجحين في البكالوريا عن التسجيل في التخصص، وأن رفع معدل الالتحاق به من 10/20 إلى 12/20 كان استجابة من الوزارة لمطلب رفعه الطلبة سنة 2014 الذين طالبوا بإعادة الاعتبار للتخصص الذي يجب أن يلتحق به أصحاب المعدلات المرتفعة لأنه تخصص متميز يرتبط بتسيير شؤون الدولة، ثم استجابت لمطالب خفضه إلى معدل 11/20 وحينها عادت بعض الأقسام التي سجل بها عدد معتبر من الطلبة (25 طالب فأكثر). ومن جهة أخرى أكدت الوزارة أن ما يحصل ليس استهدافا لتخصص العلوم السياسية دون غيره، وإنما هو مسار إصلاحي شامل للخارطة الجامعية استجابة للتحولات الدولية والوطنية ومتطلبات سوق الشغل.

رواية المؤامرة: يسود اعتقاد عند طيف من أهل التخصص أن ما حصل لأقسام العلوم السياسية مرده إلى مؤامرة من السلطة السابقة التي انزعجت من الوعي السياسي الذي أحدثه هذا التخصص في الأوساط المجتمعية وكيف جعلهم يسببون العديد من المشكلات لها، خاصة بعد التقارير التي أشارت إلى انحدار الكثير من قادة الحركات الاحتجاجية المحلية التي عرفتها بعض ولايات الوطن من هذا التخصص، كما أن الإضراب الوطني الذي قام به طلبة العلوم السياسية في جامعة تيزي وزو كان من أطول الإضرابات سنة 2014، ومن القرائن التي تعزز هذه الفرضية عندهم ما حصل لتخصص علم الاجتماع السياسي الذي يتقاطع في الكثير من الجوانب مع العلوم السياسية، حيث أزيح من المشهد الأكاديمي في هدوء تام، ولم يحدث جلبة مثلما أحدثها تخصص العلوم السياسية لأن طلبته وأساتذته (أي علم الاجتماع السياسي) تم دمجهم بسهولة في الفروع الأخرى من علم الاجتماع، ولم يستشعروا خطر عدم الاستقرار الوظيفي مقارنة بأساتذة العلوم السياسية الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للتدريس في تخصصات أخرى لا تستقيم مع طبيعة تكوينهم كالحقوق مما جعلهم يرفعون صوتهم عاليا ويحتجون على قرارات الغلق.

في إطار نظرية المؤامرة أيضا هناك من يعتقد أن إطارات داخل وزارة التعليم العالي لديها مشاكل ومواقف (شخصية) مع بعض أساتذة العلوم السياسية وكسلوك انتقامي عمدت إلى غلق التخصص، والبعض الآخر يرى أن المؤامرة داخلية سببها بعض أساتذة العلوم السياسية الذين يوصفون بالدينصورات الذين حركتهم الغيرة والحسد من الباحثين الشباب واستشعروا أن البساط يسحب من تحت أرجلهم وفقدوا الكثير من الامتيازات فاستغلوا علاقاتهم بمسؤولين في الوزارة لضرب التخصص وهم من حرض على غلقه. ضمن هذا السياق أيضا هناك من يفترض أن قرار غلق بعض الأقسام كان محليا ولا علاقة للوزارة به، وإنما أقدم عليه بعض رؤساء الجامعات الذين كانت لهم خلافات مع بعض أساتذة التخصص في جامعاتهم واستغلوا الفرصة أيضا لتصفية حساباتهم مع خصومهم بغلق الأقسام.

غلق الأقسام…نقاش في الآليات والبدائل

تمتلك مختلف الروايات المتصلة بنظرية المؤامرة بعض القرائن الموضوعية وأحيانا يكون فيها قدر من المبالغة، وبغض النظر عن كل هذا فإن غلق الأقسام أصبح واقعا، وما يهم هو الرواية الرسمية المسؤولة عن القرارات بصرف النظر أيضا عن خلفياتها، لذلك لابد من مناقشة ما جاء على لسان الوزراء باعتباره الأساس الذي استند إليه في غلق الأقسام، وهنا يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

كانت السنة التي اعتمد فيها قرار رفع معدل الالتحاق بالتخصص إلى 12/20؛ المنعطف الأساسي في غلق الكثير من الأقسام التي لم يلتحق الطلبة الناجحون بجلها كون مثل هذا المعدل المحصل عليه في البكالوريا يتيح لهم التسجيل في تخصصات أخرى تضمن لهم فرص توظيف أفضل بكثير من تخصص العلوم السياسية الذي أصبح فيه شبح البطالة حقيقة لا مجازا. والمغالطة في قرار الوزارة أنها تنقل جزء من الحقيقة فقط لأن مطالب الطلبة المضربين حينها لم تقتصر على رفع معدل الالتحاق به فقط وإنما تضمنت مطالب أخرى تتعلق بفرص التوظيف، وهذا ما لم تستجب له الوزارة بحجة أنه ليس من اختصاصها، وكأن الوظيف العمومي وغيره من الوزارات لا تنتمي إلى حكومة واحدة تنسق فيما بينها لخدمة المصلحة العامة، لذلك كان يفترض بها أخذ المطالب حزمة واحدة وليس انتقاء ما يتناسب مع تصورها فقط.

ضمن سياق البطالة في التخصص تجدر الإشارة إلى أن هناك عشرات التخصصات التي يعاني خريجوها من البطالة بما في ذلك التخصصات العلمية بل حتى الأطباء أضحى بعضهم يعمل في إطار عقود ما قبل التشغيل بُعيد تخرجه، بالتالي البطالة ليست مبررا لغلق التخصصات لأنه وفق هذا المنطق ستُغلق كل الجامعات، ومسألة عدم التناسق بين مخرجات التعليم العالي وحاجيات سوق العمل عامة ولا تقتصر على تخصص دون آخر، وإن كانت في بعضها أكبر مثل العلوم السياسية الذي يعاني من الاضطهاد من طرف الوظيف العمومي إذ لا يتميز عن غيره من التخصصات بوظائف ينفرد بها لوحده، فمثلا في الحقوق لا يمكن لغير خريجيه العمل في مهنة المحاماة أو التوثيق، وفي الاقتصاد لا يمكن لغير خريجيه العمل أيضا كمقتصد أو محاسب، وقس على ذلك التخصصات الأخرى، بينما في العلوم السياسية فحتى العمل في إطار وزارة الخارجية الذي يفترض أنه خاص بأحد فروعه (العلاقات الدولية) فإن المسابقات لا تفتح إلا نادرا وحين فتحت سُمح لجميع التخصصات بالمشاركة دون استثناء، والمفارقة أن معدلات ولوج التخصصات الأخرى وفي مقدمتها الحقوق التي تتقاسم معها العلوم السياسية نفس الكلية يكون بمعدل 10/20 فقط ومع ذلك تتاح لها فرص توظيف أكبر بكثير، والسؤال الذي يُطرح هنا ما الجدوى من تمييز تخصص بمعدل متفوق ثم يجد الحاصل عليه نفسه ضمن مسابقة مع من درس في تخصص أقل منه، وأكثر من ذلك يمنحه الوظيف العمومي نقاط أكبر كونه في تصوره أقرب للوظيفة من تخصص العلوم السياسية. لذلك يتوجب على الوظيف العمومي رد الاعتبار للتخصص ومنحه بعض الامتيازات الوظيفية كباقي التخصصات ولعل من بينها تدريس مادة التربية المدنية.

المبرر الآخر الذي ساقته الوزارة يتعلق بمسألة أقطاب الامتياز وإعادة النظر في الخارطة الجامعية والتي كثرة جعجعتها دون أي طحين، وحسب تصريحات الوزراء فإن الحقوق من بين التخصصات المستهدفة بأقطاب الامتياز، ولم تتم الإشارة إلى العلوم السياسية التي تشاركها الكلية نفسها، رغم أنها معنية بالموضوع أكثر من غيرها، لأن غلق الأقسام كان ضمن هذه الاستراتيجية وتداول حديث عن حصر أقسام العلوم السياسية في عدد قليل جدا تتوزع على مختلف جهات الوطن (شمال-جنوب-شرق-غرب)، من حيث المبدأ الفكرة جيدة وسليمة إذا استندت إلى مبررات موضوعية وشملت جل التخصصات ولم تمنح امتيازات لولايات بحجج واهية، والنقطة التي تسجل في هذا السياق بشكل عام أنه يوجد الآلاف من الدكاتره وحملة الماجيستير البطالين والذين يقومون باحتجاجات متكررة أمام وزارة التعليم العالي، ويفترض أن هؤلاء قادرين على تغطية حاجيات سوق الشغل التي جعلتها الوزارة مبررا لتأسيس أقطاب الامتياز، أما فيما يتعلق بتخصص العلوم السياسية تحديدا فهناك تجربة المدرسة الوطنية التي اُفتتحت سنة 2009، والتحق بها الحاصلون على ليسانس كلاسيك لدراسة ماستر عبر مسابقة وطنية، ما يعني أنه تم انتقاء زبدة التخصص بوعود امتياز توظيف مباشر لكن في النهاية تركوا بعد تخرجهم للبطالة بعد معاناة كبيرة لتحصيل شهادة ماستر لم تُحدث أي فارق حقيقي في الإطار الوظيفي بل من هذا المدخل أضاعوا سنتين أو أكثر. تأسيسا على ذلك لا مشكلة في غلق كل أقسام العلوم السياسية عبر الوطن وحصرها فقط في المدرسة الوطنية للعلوم السياسية كقطب امتياز لكن شريطة أن تمنح لها امتيازات مماثلة أو أكبر من المدرسة الوطنية للإدارة، ومن ناحية ثالثة هناك مئات الدكاتره البطالين وهؤلاء الباب الوحيد لتوظيفهم بما يتوافق مع درجتهم العلمية هو العمل كأساتذة جامعيين، وهذا الباب سُد في وجوههم بسياسات غلق الأقسام، لذلك هم يتجرعون مرارة الألم أكثر من غيرهم، وعلى الحكومة مراعاة هذا الجانب بالتراجع عن نهجها اتجاه التخصص وأيضا بفتح مجالات أخرى للتوظيف وفي مقدمتها استحداث مراكز دراسات وأبحاث سياسية تعالج مختلف مشكلات الوطن تسند لكفاءات علمية حقيقية تقدم أبحاثا موضوعية وليس مجاراة السلطة على حساب الوطن.

النقطة الأخيرة ترتبط بمصير أساتذة التخصص حيث تم إعادة توجيه الأساتذة للتدريس في تخصصات أخرى (قريبة)، ولكن هذا الحل لا يعدم من سلبيات تكشف تهافت الاستراتيجية المنتهجة من طرف الوزارة، لأن من يسعى لتأسيس أقطاب امتياز ويعمل على الرفع من مستوى التكوين الجامعي لا يمكن أن يحقق ذلك وفي الوقت نفسه يقوم بسياسات ترقيعية كما يحصل مع أساتذة العلوم السياسية الذين حتى وإن كان لهم تكوين في تخصصات أخرى لطبيعة علم السياسة لكن الموضوعية والأمانة تقتضي بالمصارحة أن ذلك لا يرتق إلى درجة تكوين الطلبة في التخصصات الأخرى لذلك سيبقى أستاذ العلوم السياسية جسما غريبا عن التخصصات الأخرى وسيكون مركب النقص هو عنوان علاقته بطلبة أي تخصص آخر يُسند إليه التدريس فيه. وهذه معضلة يتوجب على الوزارة أيضا تداركها، علما أن العلوم السياسية كان ضحية تطفل كل التخصصات الأخرى عليه سابقا.

ملاحظة أخيرة: قبيل الانتهاء من كتابة المقالة قرأت منشورا في صفحة الفايسبوك لأحد أساتذة التخصص المنتمين للنقابة الوطنية للأساتذة الجامعيين يؤكد فيه أنه تم إلغاء شرط المعدل للالتحاق بالتخصص، ومع تثمين هذا القرار من الوزارة إلا أنه توجد نقاط أخرى في المقالة تحتاج للمعالجة لذلك فضلت نشرها ومشاركة النقاش حولها بما يخدم التخصص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.