ثلاثة أيّام وأكثر، ظلّت الأنفاس معلّقة بخيط رفيع من الأمل، وظلّت العيون تترقّب خبراً يبدّد الخوف، ويعيد إلى حضن والديه طفلهما الصغير، ثلاثة أيّام من الحفر، والبحث، والسّعي، والدّعاء، والقلوب التي لم تعرف كيف تستسلم لفكرة أنّ طفلاً بريئاً يمكن أن يغيب بهذه القسوة.

لكن الخبر الذي لم يكن أحد يريد سماعه جاء أخيراً: أيوب وُجد ميتاً.

يا الله… كم هو ثقيل هذا الخبر حين يتعلّق الأمر بطفل صغير، لا ذنب له سوى أنّه كان يحلم بالحياة كما يحلم بها كل الأطفال، طفل كان يفترض أن تكون أيّامه الأولى في الدّنيا مليئة باللّعب والضّحك، وأن يكون حضن أمّه وأبيه مأمنه الأوّل والأخير، فإذا بالفاجعة تختصر كلّ شيء، وتترك وراءها أمّاً وأباً أمام وجع لا تكفي الكلمات لوصفه.

اللّهم صبّر والدي أيوب، واربط على قلبيهما، وأنزل على روحيهما سكينة من عندك، اللّهم اجعل صغيرهما شفيعاً لهما، واجبر كسرهما، وارزقهما من الصّبر أضعافا مضاعفة ما يعينهما على حمل هذا المصاب الذي لا يقدر عليه قلب.

لقد كان أيّوب خلال هذه الأيّام الثّلاثة أكثر من مجرّد اسم في خبر، أصبح طفلاً يسكن وجدان النّاس، كلّ من تابع تفاصيل عملية الإنقاذ تخيّله ابناً له، أو حفيداً، أو أخاً صغيراً؛ ولهذا كان الألم جماعياً، وكانت الدّعوات تخرج من قلوب كثيرة لا تعرف العائلة بالضّرورة، لكنّها عرفت أيّوب من خلال براءته، ومن خلال تلك الصّورة الموجعة لطفل ينتظر الجميع أن يعود إلى الحياة.

وفي وجه هذه الفاجعة، لا يمكن إلّا أن نقف بإجلال أمام رجال الحماية المدنية وكل من شارك في عمليات البحث والإنقاذ؛ لقد بذلوا جهوداً مضنية، وحفروا وسعوا وحاولوا حتّى آخر ما تسمح به الإمكانات، لأنّ إنقاذ حياة طفل ليس مهمّة عادية، ولأنّ وراء كلّ عملية إنقاذ أمّاً وأباً وأسرة تنتظر معجزة، قد تكون النّهاية قد جاءت موجعة، لكن ذلك لا يلغي قيمة الجهد المبذول ولا شرف المحاولة.

ولعلّ أكثر ما يخفّف شيئاً من قسوة المشهد تلك الهبّة التضامنية الكبيرة التي أحاطت بالعائلة، لقد أثبت النّاس، مرّة أخرى، أنّ المصائب قادرة على أن توحّد القلوب، وأنّ المجتمع لا يزال يحتفظ في أعماقه بقدر كبير من الرّحمة والتكافل.

 حين تحرّك المواطنون، وحين تابعوا عمليات الإنقاذ، وحين وقفوا إلى جانب الأسرة بالدّعاء والحضور والمساندة، كانوا يقولون للعائلة المكلومة: لسنا قادرين على إزالة وجعكم، لكنّنا لن نترككم وحدكم أمامه.

وهذه قيمة إنسانية عظيمة ينبغي ألا تضيع وسط الحزن؛ ففي زمن تكثر فيه مظاهر العزلة والانشغال بالنّفس، جاءت مأساة أيّوب لتذكّرنا بأنّ للنّاس بعضهم بعضاً، وأنّ الوقوف إلى جانب المكلوم في لحظة انكساره قد يكون أبلغ من ألف كلمة.

لكن، وبعد أن تنحسر ضجّة الحدث، ويعود كلّ منّا إلى بيته، يبقى سؤال مؤلم ينبغي ألّا نهرب منه: كيف نحمي أبناءنا؟

ليس المقصود البحث عن مذنب أو تحويل الفاجعة إلى مناسبة للاتّهام وتبادل اللّوم، وإنّما أن نتعلّم: الأطفال أمانة، وبراءتهم تجعلهم أكثر حاجة إلى حماية الكبار ووعيهم وانتباههم، علينا أن نراجع باستمرار محيط أطفالنا: الآبار والحفر والأماكن غير المؤمّنة، ومواقع البناء، والمجاري، والطرقات، وكلّ مكان قد يتحوّل في لحظة غفلة إلى مصدر خطر.

كما أنّ حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة وحدها، إنّها مسؤولية جماعية تشترك فيها العائلة، والبلديات، والجهات المعنية، والمؤسّسات التربوية، والمجتمع كله، فحين توجد حفرة أو بئر أو موقع خطر بالقرب من مساكن الأطفال، فإنّ تأمينه ليس تفصيلاً ثانوياً، بل واجب يتعلّق بحياة بشر.

ولعلّ أعظم وفاء يمكن أن نقدّمه لأيّوب ألّا يبقى اسمه مجرّد ذكرى حزينة في صفحات الأخبار ومواقع التواصل. الوفاء الحقيقي أن تتحوّل هذه المأساة إلى وعي، وأن تجعلنا أكثر انتباهاً، وأكثر حرصاً على أطفالنا، وأكثر استعداداً للتدخّل قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.

رحم الله أيّوب، ذلك الطفل الذي هزّ قلوب النّاس ببراءته ورحيله الموجع، ورحم الله طفولته التي لم تأخذ من الدنيا حقّها في اللّعب والحياة.

ولأبيه وأمه وأسرته: ليس في الكلمات ما يكفي لمواساتكم، ولا في العبارات ما يستطيع أن يحمل عنكم هذا الوجع، لكنّكم لستم وحدكم، قلوب كثيرة اليوم معكم، تدعو لكم بالصّبر، وتشارككم الحزن، وتحفظ لطفلكم مكاناً في الذّاكرة.

اللّهم اجعل أيّوب طيراً من طيور الجنّة، واجعله نوراً ينتظر والديه عندك، واجبر قلوبهم جبراً يليق بعظيم مصابهم.

رحم الله أيّوب… ولعلّ رحيله يكون سبباً في أن يعيش أطفال آخرون أكثر أمناً، وأن ينتبه الكبار أكثر، وأن يبقى التضامن الذي جمع النّاس حوله درساً في الرّحمة لا تنساه الأيّام.