تواصل المادة 200 من قانون الانتخابات إثارة جدل سياسي واسع، عقب العدد الكبير للإقصاءات من القوائم الانتخابية التي طالت مئات المترشحين.

ولم تقتصر تداعيات الإقصاء على البعد السياسي فحسب، بل امتدت إلى نقاش اجتماعي واسع، خاصة مع استناد بعض قرارات الاستبعاد إلى تقارير تتعلق بشبهات فساد طالت عدداً من المترشحين، ما ينعكس سلباً على سمعتهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمترشحات النساء.

النساء في قلب العاصفة

تولي الجزائر، من خلال التشريع أهمية خاصة لإشراك المرأة في الحياة السياسية، حيث ينص قانون الانتخابات على نسبة تمثيل نسوي تُقدّر بثلث (1/3) من إجمالي الأسماء في القوائم الانتخابية للمترشحين.

كما يُلزم هذا القانون القوائم الانتخابية، سواء كانت تحت رعاية أحزاب سياسية أو ضمن قوائم حرة، بضمان حضور نسوي لا يقل عن ثلث أعضاء القائمة.

وجاءت تصريحات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال لقائه الإعلامي الأخير لتؤكد الإرادة السياسية للبلاد في تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية، حيث لم يستبعد إمكانية تعيين امرأة على رأس الحكومة.

غير أن الإقصاءات الأخيرة من القوائم الانتخابية، التي طالت نساءً، تطرح تساؤلات حول احتمال تراجع حضور المرأة الجزائرية في الحياة السياسية لأسباب واعتبارات اجتماعية.

في هذا الصدد، كشفت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، رصد “أسباب مشينة” و”مخزية لشرف الإنسان” للإقصاء تمس الرجال والنساء، مشددة على أنها حين تمس النساء يُصبح الأمر أخطر بكثير.

واستدلت لويزة حنون، خلال عرضها للتقرير الافتتاحي لاجتماع المكتب السياسي، بحالة عضوة قيادية في الحزب بولاية جيجل، مشيرة إلى أنها نقابية وموظفة بالجامعة، وتتمتع بسمعة طيبة ومعروفة محليًا، وتنحدر من عائلة ثورية.

وأضافت أنها لم تكن طرفًا في أي قضية سوى ملف يتعلق بحقوق المرأة، وقد استفادت فيه من البراءة، ورغم ذلك تم إقصاؤها.

وندّدت حنون في مجمل كلامها بإقصاء مترشحات بسبب تحقيقات إدارية تفيد صلتهن بأعمال مشبوهة والمساس بأخلاقيات الحياة السياسية.

وكشفت المتحدثة أن مترشحة من ولاية سكيكدة أُقصيت بسبب تهمة صلتها بأعمال مشبوهة ما تسبب في صدمة عائلتها.

وجاء في تقرير آخر حول إحدى المترشحات، تحدثت عنه حنون: “تبيّن أن المعنية توجد حولها معطيات خاصة بها من شأنها المساس بمبدأ أخلقة الحياة السياسية ذات سيرة سيئة غير نزيهة وغير مخلصة، معروف عليها بممارسة الابتزاز ولا تحظى بالاحترام في الوسط الاجتماعي.”

ونددت حنون بصدور تقرير مماثل على امرأة تشارك في الانتخابات لأول مرة، معتبرة أن الأمر لا يتعلق بتحقيق إداري ولا أمني.

التمثيل النسوي بين الإرادة السياسية والقيود غير المعلنة

يفتح إقصاء النساء من السباق الانتخابي نحو قبة البرلمان، بموجب المادة 200، نقاشًا أعمق حول حدود تمكين المرأة في المجال السياسي، وكشف التوتر القائم بين النصوص القانونية الضامنة للمساواة والواقع الاجتماعي الذي لا يزال يعيد إنتاج قيود غير معلنة، خصوصًا في المجتمعات التي تُصنَّف بـ”المحافظة”.

في هذا الصدد، أبرزت مديرة مؤسسة الجريدة النسوية، آمال حجاج، في اتصال مع منصة “أوراس”، أن الإشكال الأول هو أن المادة 200 فضفاضة جداً، مثلما أشار إلى ذلك عدد من السياسيين والسياسيات الذين أكدوا أنهم لم يتمكنوا من فهم حدودها بدقة ولا ما الذي يندرج ضمنها وما الذي لا يندرج.

وأشارت الناشطة النسوية، إلى أنه في مجتمع مثل مجتمعنا، أي مادة قانونية غامضة أو فضفاضة قد تُستخدم بشكل غير متكافئ.

وأضافت: “صحيح أنها تبدو نظرياً وكأنها تنطبق على الجميع، لكن واقعياً ستؤثر على النساء أكثر من الرجال، ويكفي أن نرى حجم التنمر والتشهير والاتهامات التي تتعرض لها النساء على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل حتى أن نفهم تماماً ما تواجهن داخل الأحزاب أو القوائم الانتخابية أو حتى داخل العائلات”.

وأبرزت آمال حجاج، أنه في الجزائر، ما زالت علاقة المجتمع بمفاهيم “الشرف” مرتبطة بشكل كبير بحياة النساء وخصوصياتهن، ولذلك فإن أي نص غير واضح قد يتحول إلى أداة إضافية للضغط عليهن.

وحتى النساء اللواتي يؤيدن هذه المادة يمكنهن أن يدركن أنها ستطال النساء أكثر من الرجال إذا نظرنا إلى ما تتعرض له المترشحات والفاعلات السياسيات من حملات استهداف في الفضاء الرقمي وفي النقاشات العامة، تضيف حجاج.

وأثارت محدثنا عاملا حاسما في معادلة النساء والسياسة، حيث أشارت إلى أنه في كثير من الأحيان لا يتم النقاش حول أفكار النساء أو مشاريعهن أو ممارساتهن السياسية، بل يتم اختزالهن في كونهن نساء فقط، لتؤكد أن “العقليات المحافظة والرجعية” ما زالت حاضرة بقوة رغم كل التطورات التي شهدها المجتمع.

وفي سياق متصل، تشدد حجاج، على أنه إذا كان لا بد من الإبقاء على هذه المادة، فيجب أن تكون دقيقة ومفصلة وتحدد بشكل واضح الأفعال المقصودة بها، أما بصيغتها الحالية، “المبهمة والسطحية”، فمن المرجح أن تكون آثارها على النساء أكبر بكثير من آثارها على الرجال، على حد قولها.

وتوقعت محدثتنا أن نتيجة تطبيق هذه المادة لن تكون توسيع المشاركة السياسية، بل على العكس قد تتسبب في إبعاد النساء عن العمل السياسي، وخلق مزيد من التردد والخوف لدى الراغبات في الترشح أو تحمل المسؤوليات العامة.

وتؤكد عدة تقارير للأمم المتحدة ومختلف الهيئات الأممية التي اطلعت عليها منصة “أوراس”، أن القوانين وحدها (مثل فرض الكوتا) لا تكفي لتمكين المرأة سياسياً ما لم تُرفق بسياسات حماية صارمة ضد العنف السياسي، وتسهيلات تمويلية، وتغيير في الثقافة المؤسسية للأحزاب السياسية لتصبح أكثر مرونة واستيعاباً للمرأة.

في هذا الصدد، رصد تقرير سابق للأمين العام للأمم المتحدة حول حول “مشاركة المرأة في الحياة العامة والقضاء على العنف”، تصاعداً خطيراً في “العنف النفسي واللفظي” الموجه ضد السياسيات والمترشحات، في العالم، سواء على أرض الواقع أو عبر الإنترنت (من خلال حملات التشويه الرقمي، والتهديدات، والابتزاز)، ما يدفع الكثير من الكفاءات النسائية إلى الانسحاب خوفاً على سلامتهن أو سمعتهن.

كما تعاني النساء من “مقاومة داخلية” من الأحزاب السياسية نفسها، حيث تُفضل القيادات الحزبية (التي يسيطر عليها الرجال غالباً) ترشيح الرجال في صدارة القوائم الانتخابية أو في الدوائر المضمونة، مما يقلل فرص فوز النساء.

كما رصد التقرير العبء المزدوج والمسؤوليات الرعائية، فالثقافة الاجتماعية السائدة ما زالت تضع العبء الأكبر للرعاية المنزلية وتربية الأطفال على عاتق المرأة، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الصارمة للعمل السياسي الذي يتطلب ساعات عمل طويلة وتنقلاً مستمراً.

وبالعودة إلى الجزائر، لفتت مديرة مؤسسة الجريدة النسوية، إلى أن النساء أصلاً يواجهن عوائق أكبر بكثير من الرجال في الوصول إلى المشاركة السياسية.

وقالت: “إذا نظرنا إلى نسب النساء المتعلمات، والمتكونات، والناشطات في الجمعيات والمجتمع المدني، يتضح أن المشكلة ليست في الكفاءة ولا في غياب الإرادة السياسية لدى النساء، فالعوائق الحقيقية تكمن في الضغوط الاجتماعية والممارسات التمييزية التي تواجهها النساء في الفضاءين الخاص والعام، فالكثير منهن يجدن أنفسهن مضطرات لمواجهة أحكام مسبقة، ورقابة اجتماعية مستمرة، وتشكيك في شرعيتهن لمجرد رغبتهن في الانخراط في الشأن العام”.

وأكدت الناشطة النسوية، وجود عشرات الممارسات الاجتماعية التي تؤدي إلى إقصاء النساء من السياسة وتشبه في آثارها ما قد تنتجه المادة 200 من قانون الانتخابات، معربة عن قلقها من أن يؤدي نص فضفاض كهذا إلى تقنين بعض هذه الممارسات وإضفاء شرعية قانونية عليها بدل أن يتدخل لحماية حق النساء في المشاركة السياسية وضمان تكافؤ الفرص.