تشهد الجزائر خلال الأيام الأخيرة واحدة من أشد موجات الحر المسجلة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع اندلاع مئات الحرائق التي مست الغابات والأدغال والأحراش والمحاصيل الزراعية في عدد كبير من الولايات، مخلفة خسائر بشرية ومادية وبيئية معتبرة.

وأعاد هذا الوضع إلى الواجهة سؤالًا يتكرر كل صيف: ما الأسباب الحقيقية لاندلاع هذه الحرائق؟ وهل الحرارة وحدها مسؤولة عنها؟

الحرارة تهيئ الظروف.. لكنها لا تشعل النار

يُجمع المختصون على أن ارتفاع درجات الحرارة لا يؤدي وحده إلى اندلاع الحرائق، وإنما يخلق بيئة مثالية لانتشارها.

 فعندما تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية، كما هو الحال خلال موجة الحر الحالية، تنخفض نسبة الرطوبة في النباتات والأعشاب، فتتحول إلى مادة شديدة الاشتعال، ويكفي وجود مصدر نار صغير لبدء الحريق.

ويؤكد خبراء الأرصاد الجوية أن ما يعرف بـ”القبة الحرارية” يؤدي إلى استقرار الهواء ومنع تشكل السحب والأمطار، ما يفاقم الجفاف ويزيد من قابلية الغطاء النباتي للاشتعال.

العامل البشري.. السبب الأكثر شيوعًا

تشير تقارير صادرة عن أجهزة الحماية المدنية وعدد من المنظمات الدولية إلى أن النشاط البشري يبقى السبب الرئيسي وراء معظم حرائق الغابات المسجلة عالميًا، سواء كان ذلك نتيجة الإهمال أو التصرفات غير المسؤولة أو الحوادث العرضية.

ومن بين أكثر الأسباب شيوعًا، رمي أعقاب السجائر المشتعلة على جوانب الطرق أو داخل المساحات الغابية، حيث يكفي عقب سيجارة واحد لإشعال الأعشاب اليابسة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض نسبة الرطوبة.

كما تتسبب النيران التي يشعلها بعض المواطنين لأغراض الشواء أو التخييم في اندلاع العديد من الحرائق، خاصة عندما تغادر المواقع دون التأكد من إخمادها بشكل كامل، وهو ما يسمح بعودة اشتعالها وانتقالها إلى الغطاء النباتي المحيط.

وتُعد عمليات حرق الأعشاب الجافة وبقايا المحاصيل الزراعية من الممارسات التي تزيد من خطر اندلاع الحرائق، لا سيما خلال فترات موجات الحر وهبوب الرياح، إذ قد تمتد النيران بسرعة إلى الغابات أو الحقول المجاورة.

وقد تؤدي بعض الآلات الزراعية، مثل الحصادات وآلات قطع الأعشاب، إلى توليد شرارات نتيجة الاحتكاك أو الأعطال الميكانيكية، وهو ما قد يتسبب في اندلاع الحرائق عند ملامستها للغطاء النباتي الجاف.

كما يساهم الإهمال في التخلص من النفايات القابلة للاشتعال، مثل الزجاجات والمواد البلاستيكية والورقية، في زيادة مخاطر الحرائق، خاصة عندما تتعرض هذه المخلفات لأشعة الشمس أو تكون بالقرب من مصادر حرارة، مما يجعلها عاملًا مساعدًا على اندلاع النيران وانتشارها.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتزامن مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة وهبوب الرياح.

الحرائق المتعمدة.. احتمال قائم

في بعض الحالات، قد تكون الحرائق مفتعلة بفعل أعمال إجرامية أو بدوافع مختلفة، مثل التخريب أو الاعتداء على الأملاك أو لأغراض أخرى.

وفي الجزائر، سبق للسلطات أن فتحت تحقيقات في عدد من الحرائق التي اندلعت خلال السنوات الماضية، وتم توقيف أشخاص يشتبه في تورطهم في إشعال بعض الحرائق عمدًا.

 وتبقى مهمة تحديد الأسباب النهائية من اختصاص الجهات الأمنية والقضائية بعد استكمال التحقيقات.

الرياح.. العدو الأكبر لفرق الإطفاء

بعد اندلاع الحريق، تصبح سرعة الرياح من أهم العوامل التي تحدّد مدى انتشاره وصعوبة السيطرة عليه.

 فالرياح لا تقتصر على تغذية ألسنة اللهب بالأكسجين، بل تنقل أيضًا الشرارات والمواد المشتعلة إلى مناطق مجاورة، ما يؤدي إلى نشوب بؤر جديدة خلال وقت قصير.

كما تزيد من سرعة انتشار النيران، وتعقّد مهام فرق الإطفاء، خاصة في المناطق الجبلية أو الوعرة، وهو ما يجعل حرائق محدودة المساحة تتحول أحيانًا إلى كوارث واسعة خلال ساعات قليلة.

الغطاء النباتي الجاف.. وقود طبيعي للنيران

يؤدي استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى جفاف الأعشاب والأغصان والنباتات، لتتحول إلى مادة سريعة الاشتعال.

 وكلما ازدادت كثافة الغطاء النباتي وارتفعت كمية الأعشاب اليابسة داخل الغابات، ازدادت سرعة انتشار الحريق وارتفعت صعوبة احتوائه، لأن النيران تجد وقودًا طبيعيًا يغذيها باستمرار.

التضاريس الوعرة تعرقل عمليات الإخماد

تتميز مساحات واسعة من الغابات الجزائرية بطبيعة جبلية ومنحدرات وعرة، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا أمام فرق الحماية المدنية.

ففي كثير من الحالات، يصعب وصول شاحنات الإطفاء إلى بؤر الحرائق، ما يفرض الاعتماد على الطائرات والمروحيات لإخماد النيران.

 كما تسهم المنحدرات في تسريع صعود ألسنة اللهب نحو المرتفعات، الأمر الذي يزيد من سرعة انتشار الحرائق ويعقد جهود السيطرة عليها.

التغيرات المناخية تزيد من حدة الظاهرة

يحذر خبراء المناخ من أن التغيرات المناخية أصبحت أحد العوامل التي تزيد من تكرار موجات الحر الطويلة وفترات الجفاف، وهو ما يرفع عدد الأيام التي تكون فيها الغابات عرضة للاشتعال.

وتشير العديد من الدراسات العلمية إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يجعل دولًا مثل الجزائر وإسبانيا واليونان وإيطاليا تواجه سنويًا مخاطر متزايدة لاندلاع حرائق الغابات واتساع رقعتها خلال فصل الصيف.

التخطيط الوقائي والاستعداد المسبق.. عنصر حاسم

يرى مختصون في إدارة الكوارث أن حجم الخسائر الناجمة عن حرائق الغابات لا يرتبط فقط بالعوامل الطبيعية، بل يتأثر أيضًا بمدى جاهزية أجهزة الوقاية والاستجابة.

 فكلما كانت خطط الاستشراف ورصد المخاطر أكثر فاعلية، وتوفرت آليات الإنذار المبكر، أمكن اكتشاف الحرائق في بداياتها والتدخل قبل اتساع رقعتها.

كما يشير خبراء إلى أن فعالية مواجهة الحرائق تتوقف على جاهزية الوسائل البشرية واللوجستية، من حيث عدد فرق الإطفاء، وتوزيعها الجغرافي، وتوفر شاحنات الإطفاء والطائرات والمروحيات والمعدات الحديثة، فضلًا عن فتح المسالك الغابية وصيانة نقاط التزود بالمياه.

وقد يؤدي أي نقص في هذه الإمكانات أو التأخر في التدخل إلى زيادة مساحة الحرائق وصعوبة السيطرة عليها، خاصة في ظل موجات الحر والرياح القوية.

كيف يمكن الحد من الحرائق؟

يرى مختصون في إدارة الكوارث وحماية الغابات أن مواجهة حرائق الغابات لا تبدأ بعد اندلاع النيران، بل قبل ذلك بوقت طويل، من خلال اعتماد سياسة وقائية شاملة تقوم على الاستشراف ورصد المخاطر والحد من العوامل المساعدة على اندلاع الحرائق وانتشارها.

ومن بين أهم الإجراءات الوقائية، تنظيف الغابات بشكل دوري من الأعشاب اليابسة والأغصان الجافة التي تتحول خلال فصل الصيف إلى وقود سريع الاشتعال، إلى جانب إنشاء ممرات عازلة داخل الكتل الغابية للحد من انتقال النيران من منطقة إلى أخرى، وهو إجراء أثبت فعاليته في العديد من الدول التي تواجه حرائق موسمية.

كما يؤكد الخبراء أهمية تكثيف عمليات المراقبة خلال فترات موجات الحر، باعتبارها الفترات الأكثر خطورة، وذلك عبر تكثيف الدوريات الميدانية واستغلال الطائرات المسيّرة وأنظمة الإنذار المبكر والتقنيات الحديثة لرصد أي بؤرة حريق في مراحلها الأولى، بما يسمح بالتدخل السريع قبل اتساع رقعتها.

ولا تقل توعية المواطنين أهمية عن الإجراءات التقنية، إذ تشكل حملات التحسيس حول مخاطر إشعال النيران في الغابات أو رمي أعقاب السجائر أو حرق بقايا المحاصيل الزراعية ركيزة أساسية للحد من الحرائق الناجمة عن الإهمال، والتي تمثل نسبة معتبرة من الحرائق المسجلة سنويًا.

وفي السياق ذاته، يدعو مختصون إلى التطبيق الصارم للقوانين وتشديد العقوبات بحق المتسببين في الحرائق، سواء بسبب الإهمال أو الأفعال العمدية، لما لذلك من دور في تعزيز ثقافة الوقاية وحماية الثروة الغابية.

كما يشدد الخبراء على ضرورة الاستثمار المستمر في دعم مصالح الحماية المدنية والغابات، من خلال تعزيز الموارد البشرية، وتحديث أسطول شاحنات الإطفاء والطائرات والمروحيات، وتوفير التجهيزات المتطورة، إلى جانب تحسين التنسيق بين مختلف القطاعات المتدخلة، بما يضمن استجابة أسرع وأكثر فعالية عند اندلاع الحرائق ويحد من خسائرها البشرية والمادية والبيئية.

مسؤولية جماعية

ورغم أن الظروف المناخية الحالية ساهمت في رفع خطر اندلاع الحرائق، فإن الخبراء يؤكدون أن الوقاية تظل العامل الحاسم في تقليل الخسائر.

 فحرارة الصيف قد تكون خارج سيطرة الإنسان، لكن كثيرًا من أسباب اندلاع الحرائق يمكن الحد منها بالالتزام بإجراءات السلامة، ورفع مستوى الوعي، وتعزيز خطط الوقاية والاستجابة السريعة.

وفي ظل استمرار موجة الحر التي تشهدها الجزائر، يبقى الالتزام بالإرشادات الوقائية، والتبليغ الفوري عن أي دخان أو حريق، والتنسيق بين مختلف المصالح، عناصر أساسية لحماية الأرواح والثروة الغابية والزراعية.

وفي المقابل، تفرض التحديات المتزايدة التي تطرحها موجات الحر وحرائق الغابات على السلطات العمومية مضاعفة جهودها في مجال الوقاية والاستعداد المسبق، من خلال تعزيز منظومات الإنذار المبكر، وتحديث وسائل التدخل، وتحسين تسيير الغابات، وتكثيف التنسيق بين مختلف القطاعات المعنية، بما في ذلك الحماية المدنية، ومحافظة الغابات، والجماعات المحلية، والأرصاد الجوية، ومصالح الأمن.

كما تبرز الحاجة إلى الاستثمار المستمر في البنية التحتية الوقائية، ووضع خطط استباقية لحماية المواطنين والثروة الغابية والزراعية، باعتبار أن نجاح مواجهة الحرائق لا يقاس فقط بسرعة إخمادها، بل بمدى القدرة على منع اندلاعها أو الحد من آثارها قبل أن تتحول إلى كوارث تهدد الأرواح والممتلكات والبيئة.