هنأتني إحدى طالباتي السّابقات حين كنت أدرس في جامعة تلمسان، فقالت: “… لا تكفي الكلماتُ لوزن مقامكم، ولا تسع العباراتُ فضاءَ فضلكم؛ فأنتم من أولئك الذين يُشيّدون صروحَ الأمم من لبنات الفكر، ويصوغون ملامح المستقبل بأقلامٍ غمست حبرها في ينابيع المعرفة والحكمة.
أيها الأستاذ الجليل، إنّ أثرَكم لا يُقاس بما ألقيتم من محاضرات، ولا بما كتبتم من بحوثٍ ومؤلفات فحسب، بل بما أيقظتم في النفوس من همم، وما أشعلتم في العقول من أسئلة، وما غرسْتم في الأرواح من عشقٍ للعلم ووفاءٍ للحقيقة. فكم من حلمٍ وجد طريقه إلى النور بفضل توجيهكم، وكم من موهبةٍ كادت أن تذبل فأحياها تشجيعكم، وكم من طالبٍ حمل منكم قبسًا فصار به علمًا يُهتدى به..
في يومكم هذا، أرفع لكم أكاليل التقدير والإجلال، وأقول: طوبى لعلمٍ تشرّف بكم، وطوبى لجامعةٍ ازدان منبرها بحضوركم، وطوبى لطلابٍ نهلوا من معينكم، فحملوا إلى الدنيا بعضًا من نوركم.”
الحقيقة أنها فاجأتني، فشكرتها على نبلها ووفائها وعزمت على كتابة هذه الأسطر:
يحلّ التاسع (09) من جوان من كل عام، حاملاً معه مناسبة وطنية ذات دلالة عميقة، هي اليوم الوطني للأستاذ الجامعي؛ ذلك الموعد الذي لا يُراد له أن يكون مجرد احتفاء بفئة مهنية تؤدي وظيفة محددة، بل وقفة تأمل في مكانة الإنسان الذي يحمل على عاتقه رسالة العلم، ويضطلع بمهمة بناء العقول وصناعة الوعي وتوجيه الأجيال نحو آفاق أرحب من المعرفة والمسؤولية.
فالأستاذ الجامعي ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل تنتهي بانتهاء الدوام، وإنما هو حامل لمشروع حضاري متجدد، تتقاطع عنده رهانات الدولة وتطلعات المجتمع وآمال الشباب.
إنه ذلك العقل الذي يزرع في النفوس أسئلة المعرفة قبل أن يقدم أجوبة الدروس، ويوقظ في الطلبة روح البحث قبل أن يمنحهم الشهادات، ويعلمهم كيف يفكرون قبل أن يعلمهم ماذا يفكرون.
لقد أدركت الأمم المتقدمة، منذ زمن بعيد، أن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد المادية وحدها، وإنما في الإنسان القادر على تحويل المعرفة إلى قوة، والعلم إلى تنمية، والفكرة إلى مشروع. وفي قلب هذا الاستثمار يقف الأستاذ الجامعي بوصفه الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الجامعة، والجامعة بدورها تمثل العقل المفكر للأمة ومختبر مستقبلها.
غير أن الحديث عن الأستاذ الجامعي في هذه المناسبة لا يكتمل دون استحضار الواقع الذي يعيشه، بما فيه من إنجازات وتحديات.
فالجامعة اليوم تواجه تحولات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية، والتطور التكنولوجي الهائل، وتغير طبيعة المعارف والمهارات المطلوبة في عالم أصبح أكثر تنافسية وتعقيدًا.
وأمام هذه التحولات، يجد الأستاذ الجامعي نفسه مطالبًا بتجديد أدواته باستمرار، وتطوير كفاءاته، ومواكبة مستجدات البحث العلمي وأساليب التعليم الحديثة.
كما أن الرسالة الجامعية لم تعد مقتصرة على نقل المعرفة، بل أصبحت تشمل إنتاجها وتطويرها وتسخيرها لخدمة المجتمع.
ومن هنا تتعاظم مسؤولية الأستاذ في الإسهام في البحث العلمي الجاد، وتشجيع الابتكار، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، حتى لا تبقى المعرفة حبيسة القاعات والمخابر، بل تتحول إلى قوة فاعلة في الواقع.
ولا يخفى أن الأستاذ الجامعي يواجه جملة من الصعوبات التي تستحق الاهتمام والمعالجة؛ من تحديات البحث العلمي، إلى متطلبات التأطير البيداغوجي المتزايدة، إلى الحاجة المستمرة إلى التكوين والتطوير، فضلًا عن الضغوط التي تفرضها التحولات المتلاحقة في البيئة الأكاديمية. ومن هنا فإن الاحتفاء بالأستاذ لا ينبغي أن يظل محصورًا في الكلمات الجميلة والخطب المناسبة، بل يجب أن يترجم إلى سياسات عملية تعزز مكانته العلمية والاجتماعية، وتوفر له الظروف الملائمة للإبداع والعطاء.
فالاهتمام بالأستاذ الجامعي ليس امتيازًا يُمنح لفئة معينة، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن.
وعندما يحظى الأستاذ بالتقدير والدعم، فإن المستفيد الحقيقي هو الطالب، والجامعة، والمجتمع بأسره. ذلك أن جودة التعليم العالي تبدأ من جودة الأستاذ، وقوة البحث العلمي تبدأ من تمكين الباحث، ومتانة المشروع التنموي تبدأ من احترام أهل العلم والمعرفة.
لكن الواجب لا يقع على المؤسسات وحدها، بل إن للأستاذ الجامعي مسؤولية ذاتية وأخلاقية لا تقل أهمية.
فكل رسالة عظيمة تقتضي من حاملها أن يكون على مستوى أمانتها، والأستاذ الجامعي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يستحضر نبل رسالته وسمو موقعه. فالأجيال لا تتعلم من الكلمات فقط، وإنما تتعلم من القدوة قبل الموعظة، ومن السلوك قبل الخطاب.
إن الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، وإنما فضاء لصناعة الإنسان، ومن ثم فإن الأستاذ مدعو إلى أن يكون نموذجًا في النزاهة الفكرية، والانفتاح العلمي، والالتزام الأخلاقي، واحترام الاختلاف، وتشجيع روح الحوار والنقد البناء.
كما أن عليه أن يغرس في طلبته قيم المواطنة والمسؤولية والاجتهاد، وأن يحررهم من ثقافة التلقي السلبي إلى ثقافة المبادرة والإبداع.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الجامعة هو أن تتحول المعرفة إلى معلومات جامدة، وأن يتحول التعليم إلى عملية تقنية خالية من الروح.
لذلك يبقى الأستاذ الحقيقي هو من يمنح للعلم معناه الإنساني، ويربط المعرفة بالقيم، والعقل بالأخلاق، والتخصص بخدمة المجتمع، فالعلم بلا قيم قد ينتج أدوات متقدمة، لكنه لا يصنع إنسانًا متوازنًا ولا مجتمعًا راشدًا.
وفي خضم ما يحيط بالعالم من أزمات وتحولات، تزداد الحاجة إلى الأستاذ الجامعي بوصفه صوتًا للعقل والحكمة، وجسرًا بين الماضي والمستقبل، وحارسًا للهوية في زمن العولمة، ومساهمًا في إنتاج الحلول بدل الاكتفاء بوصف المشكلات، إن دوره يتجاوز أسوار الجامعة ليشمل الإسهام في النقاش العمومي، وتنوير الرأي العام، ومرافقة التحولات التي يشهدها المجتمع.
ومع ذلك، فإن النظرة إلى المستقبل تبقى باعثة على التفاؤل. فبلادنا تمتلك طاقات علمية وكفاءات أكاديمية واعدة، وجامعاتها تزخر بأساتذة وباحثين أثبتوا حضورهم في مختلف مجالات المعرفة.
وما دامت الإرادة قائمة لتطوير الجامعة وتعزيز البحث العلمي والانفتاح على التجارب الناجحة، فإن المستقبل يحمل فرصًا كبيرة للنهوض بالتعليم العالي وجعله أكثر قدرة على الإسهام في التنمية الوطنية.
وفي هذا اليوم الوطني، نجدد التحية والتقدير لكل أستاذ جامعي آمن برسالته، وصبر على مشقاتها، وأخلص لواجبه في تعليم الأجيال وتكوين الكفاءات.
كما نجدد الدعوة إلى مزيد من العناية بهذه الفئة التي تمثل إحدى أهم ركائز بناء الوطن.
فالأستاذ الجامعي ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو صانع للعقول، ومهندس للمستقبل، وشريك في صناعة النهضة. وكل أمة تكرم علماءها وأساتذتها إنما تكرم مستقبلها، وكل مجتمع يرفع مكانة المعرفة يفتح لنفسه أبواب التقدم والازدهار. ومن هنا يبقى الاحتفاء بالأستاذ الجامعي احتفاءً بالعقل ذاته، وبالقيم التي تجعل من العلم طريقًا إلى الرقي، ومن الجامعة منارة تهدي الأجيال نحو غد أكثر إشراقًا وأوسع أملًا.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين