سجلت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 2 جويلية 2026 أدنى نسبة مشاركة منذ استقلال الجزائر، لتفتح الباب أمام نقاش واسع بشأن أسباب العزوف الانتخابي ودلالاته السياسية خاصة وأن هذه النتائج تأتي في سياق مسار انتخابي طويل عرفته البلاد منذ الاستقلال، تخللته تحولات سياسية كبرى وانتقالات مؤسساتية أعادت تشكيل المشهد الحزبي والانتخابي.

ومنذ استقلال الجزائر سنة 1962، شهدت البلاد عشرة استحقاقات تشريعية، عكست مختلف المراحل السياسية التي مرت بها الدولة وخلال السنوات الأولى للاستقلال، اعتمدت الجزائر نظام الحزب الواحد بقيادة جبهة التحرير الوطني، حيث كانت الحياة السياسية محصورة في إطار تنظيمي واحد، بينما جرت الانتخابات التشريعية سنوات 1977 و1982 و1987 في هذا السياق.

وخلال تلك المرحلة، اتسمت الانتخابات بنسب مشاركة مرتفعة، إذ بلغت 80.13 بالمائة سنة 1977، و74.79 بالمائة سنة 1982، قبل أن تصل إلى 87 بالمائة سنة 1987، وهي أعلى نسبة مشاركة سُجلت في تاريخ الانتخابات التشريعية بالجزائر.

وشكلت أحداث أكتوبر 1988 نقطة تحول مفصلية في تاريخ البلاد، بعدما أفضت الإصلاحات السياسية التي تلتها إلى إقرار دستور 1989 الذي أنهى نظام الحزب الواحد وكرّس التعددية السياسية والنقابية والإعلامية.

وبموجب هذه التحولات، انتقلت الجزائر إلى مرحلة جديدة سمحت بتأسيس الأحزاب السياسية وفتح المجال أمام التنافس الانتخابي.

وفي هذا الإطار، جرت الانتخابات التشريعية لسنة 1991 كأول استحقاق نيابي تعددي في تاريخ الجزائر المستقلة، غير أن المسار الانتخابي توقف بعد الدور الأول ولم يُستكمل الدور الثاني، لتدخل البلاد بعدها مرحلة سياسية وأمنية استثنائية استمرت سنوات.

أرقام المشاركة عبر العقود

مع استئناف المسار الانتخابي، شهدت الجزائر انتخابات تشريعية جديدة سنوات 1997 و2002 و2007 و2012 و2017 و2021، ترافقت مع تعديلات متتالية مست القوانين الانتخابية وآليات الإشراف على الاقتراع، وصولًا إلى إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات للإشراف على تنظيم الانتخابات ومراقبتها.

وتُظهر الأرقام أن نسب المشاركة عرفت منحى تنازليًا خلال العقود الأخيرة، حيث بلغت 65.60 بالمائة سنة 1997، ثم 46.17 بالمائة سنة 2002، و35.51 بالمائة سنة 2007، قبل أن ترتفع إلى 43.14 بالمائة سنة 2012، ثم تعود إلى التراجع مسجلة 37.09 بالمائة سنة 2017 و23.03 بالمائة سنة 2021.

أما الانتخابات التشريعية الأخيرة، فقد أظهرت نتائجها المؤقتة بلوغ نسبة المشاركة 21.24 بالمائة داخل الوطن، بعد تسجيل 5.071.020 مصوتًا من أصل 23.872.756 ناخبًا ضمن الهيئة الناخبة.

كما بلغ عدد الأصوات الملغاة 910.230 صوتًا، فيما وصل عدد الأصوات المعبر عنها إلى 4.160.790 صوتًا.

أما بالنسبة للجالية الوطنية بالخارج، فقد بلغت نسبة المشاركة 10.75 بالمائة، بعد إحصاء 81.091 مصوتًا من أصل 854.285 ناخبًا مسجلًا. ما يجعل هذا الاستحقاق صاحب أضعف إقبال انتخابي منذ الاستقلال.

وأثارت هذه النتائج نقاشًا واسعًا بين المراقبين والفاعلين السياسيين، خاصة أنها جاءت بعد أكثر من ثلاثة عقود على الانتقال إلى التعددية السياسية والأولى بعد التعديل التقني للدستور.

وبين من يربط هذا التراجع بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن يعتبره تعبيرًا عن تغير في سلوك الناخب وعلاقته بالمؤسسات المنتخبة، تتواصل التساؤلات حول أسباب هذا العزوف وانعكاساته على المشهد السياسي مستقبلاً.

وفي هذا السياق، اعتبر الوزير والدبلوماسي الجزائري الأسبق عبد العزيز رحابي أن نسبة المشاركة المسجلة في التشريعيات الأخيرة، والتي يرجح أن تكون الأدنى منذ الاستقلال، تعكس تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

وأوضح رحابي أن العزوف عن التصويت كان متوقعاً في ظل ما وصفه بـ”الغياب المبرمج” للحياة السياسية الحزبية و”تكميم أفواه الصحافة” و”إضعاف المجتمع المدني”، معتبراً أن هذه العوامل ساهمت في تراجع الإقبال على صناديق الاقتراع.

 في حين يرى رئيس حزب “جيل جديد” لخضر أمقران في تصريح خص به منصة “أوراس”، أن الخطأ يكمن في التعامل مع هذه النسبة باعتبارها مجرد رقم انتخابي، بينما هي في الحقيقة مؤشر سياسي واجتماعي بالغ الدلالة، مشيراً إلى أن هذه النسبة في المشاركة الانتخابية لم تشهدها الجزائر حتى في أوج الأزمة التي عاشتها البلاد خلال العشرية السوداء.

وأكد أمقران أن العزوف الذي شهدته الانتخابات التشريعية الأخيرة ليس تعبيراً عن رفض المواطنين للديمقراطية، وإنما تعبير عن أزمة ثقة في قدرة العملية السياسية، بصيغتها الحالية، على إحداث تغيير ملموس في حياتهم.

“الامتناع عن التصويت موقف سياسي”

أضاف المسؤول الحزبي ذاته، أن أكبر تحد يواجه الجزائر ليس تنظيم الانتخابات في حد ذاته، وإنما إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها وسيلة للتغيير، موضحاً أنه عندما يقتنع المواطن بأن صوته لن يؤثر في السياسات العمومية، وأن المؤسسة المنتخبة لا تملك من الصلاحيات ما يجعلها قادرة على الاستجابة لتطلعاته، يصبح الامتناع عن التصويت موقفاً سياسياً أكثر منه مجرد عزوف.

الجميع مسؤول

من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي توفيق بوقاعدة في تصريح لـ” أوراس” أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة والعزوف الذي شهدته تستدعي قراءة معمقة من طرف جميع الفاعلين السياسيين في البلاد، سلطة وأحزاباً وإعلاماً ونخباً ومجتمعاً مدنياً، معتبراً أن كل طرف له يد في نسبة المشاركة المتدنية التي تم تسجيلها.

وأوضح بوقاعدة أن الانتخابات أظهرت، في تقديره، أن الإصلاحات السياسية التي باشرتها السلطة منذ سنة 2020 لم تحقق تطبيقاتها على الواقع السياسي أي نتيجة في الدفع بالمشاركة السياسية نحو نسب مقبولة، وأنها مرت “دون نقاش حزبي ومجتمعي واسع”، كما أشار إلى ما وصفه بـ “تغييب الرأي الآخر وغلق النقاش العام في الفضاء العمومي”.

دلالات العزوف الانتخابي

أكد أمقران أن هناك عوامل تراكمت عبر سنوات، منها ضعف الحياة الحزبية، وتراجع الوسائط السياسية، وغياب نقاش عمومي حقيقي حول البرامج، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت جزءاً معتبراً من المواطنين منشغلاً بأولويات يومية أكثر من انشغاله بالاستحقاقات الانتخابية.

وأضاف أن الرسالة التي أفرزتها انتخابات 2 جويلية ليست موجهة ضد طرف معين، وإنما هي دعوة جماعية إلى مراجعة عميقة لكيفية ممارسة السياسة في الجزائر.

وفي المقابل، حمّل بوقاعدة المسؤولية لعدة أطراف، معتبراً أن الخريطة الحزبية أصبحت مهترئة ولم تتمكن من تجديد خطابها، وأن الأحزاب تحولت إلى أحزاب مسايرة لتوجهات السلطة أكثر من كونها أحزاباً مناضلة من أجل مشاريعها السياسية وبرامجها.

كما اعتبر أن وسائل الإعلام، “تحت إكراهات التمويل والإشهار، اندمجت في الترويج لخطاب السلطة على حساب نقل رسائل المعارضة والمجتمع، ما أفقدها جزءاً من مصداقيتها وتأثيرها”.

وأضاف أن النخب فضلت الابتعاد عن الفضاء العام و “ركنت إلى الفضاء الآمن سواء بتزكية خطاب السلطة”، في حين “فشل المجتمع المدني”، حسب رأيه، بعد أن كان الرهان عليه في خلق حركية مجتمعية قادرة على إشراك الشباب والالتفاف حول القضايا الأساسية التي تعني المواطنين.

أزمة ثقة أم أزمة تمثيل؟

يرى أمقران أنه لا يمكن الفصل بين نسبة المشاركة ومستوى الثقة في المؤسسات، موضحاً أن المشاركة تشكل أحد أهم مؤشرات الشرعية السياسية من زاوية الثقة الشعبية.

وأكد أنه يميز بين شرعية القانون وشرعية الثقة، موضحاً أن المؤسسات قد تكون منتخبة وفق القانون، لكن استمرار تراجع المشاركة يعني أن جزءاً واسعاً من المواطنين لم يعد يرى فيها الأداة القادرة على تمثيله والدفاع عن انشغالاته.

وأضاف أن استعادة الثقة لا تتحقق بالدعوة إلى المشاركة فقط، وإنما بجعل المواطن يلمس أن صوته يحدث فرقاً، وأن البرلمان يمارس كامل أدواره في التشريع والرقابة، وأن المنتخبين قريبون من المواطنين، مشدداً على أن “الثقة لا تُطلب، بل تُبنى، وتُبنى بالإصلاحات وبالممارسة وبالنتائج”.

ومن جانبه، يرى بوقاعدة أن حصر المسألة في الثقة في المؤسسات المنتخبة لا يمثل إلا جزءاً من الحقيقة، معتبراً أن نتائج الانتخابات تعكس عدم الثقة في المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة على حد سواء.

وأضاف أن هذه النسبة تعني بشكل أساسي المجلس الشعبي الوطني، وأن المجتمع يدرك، بحسب رأيه، أن هذه “المؤسسة أُفرغت من أدوارها وأصبحت مؤسسة بيروقراطية لتسجيل القوانين وأداة من أدوات الحكم”.

ظرفية أم تحول عميق؟

يرى أمقران أنه إذا لم تُستخلص الدروس من هذه الانتخابات فإن العزوف قد يتحول إلى ظاهرة بنيوية لا إلى حالة ظرفية، مشيراً إلى أن الجزائر سجلت خلال السنوات الأخيرة منحى تنازلياً في نسب المشاركة، ما يدل على أن الأمر لا يرتبط بانتخابات بعينها بل بتحول أعمق في علاقة المواطن بالسياسة.

وأكد أن الجزائريين لم يفقدوا اهتمامهم بالشأن العام، بل فقدوا الثقة في جدوى بعض آليات المشاركة الحالية، مستشهداً بتفاعلهم مع القضايا الوطنية الكبرى عندما يشعرون بأن رأيهم مسموع وأن مشاركتهم مؤثرة.

ويرى أمقران أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة إصلاح سياسي هادئ يقوم على توسيع فضاءات الحريات وتعزيز استقلالية المؤسسات وإعادة الاعتبار للأحزاب السياسية الجادة وتقوية دور البرلمان وفتح حوار وطني حول سبل تجديد الممارسة السياسية. وختم بالقول: “إن أزمة المشاركة الانتخابية ليست أزمة مواطنين ابتعدوا عن السياسة، بل أزمة سياسة ابتعدت عن المواطنين”.

وفي السياق ذاته، لا يعتقد بوقاعدة أن التراجع ظاهرة ظرفية، مؤكداً أن منحنى المشاركة في تراجع مستمر، وأن عدم معالجة أسبابه سيؤدي إلى استمرار هذا التراجع من انتخابات إلى أخرى.