في ظلّ التزايد المقلق لحالات الإصابة بالسرطان، والذي بات يشكّل عبئا صحيا واجتماعيا واقتصاديا متناميا، تبرز الاستراتيجية الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته في أفق 2035 كإطار مرجعي شامل يعيد تنظيم الجهود ويمنحها نفسا استشرافيا، فقد تجاوز عددا لحالات الجديدة سنويا عتبة 50 ألف حالة، مع توقعات بارتفاعها خلال السنوات القادمة نتيجة التحوّلات الديموغرافية وأنماط العيش، وهو ما يفرض مقاربة أكثر شمولا وفعالية.

يشكّل استكمال إعداد مشروع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته في أفق 2035، تحت إشراف رئاسة الجمهورية وبرئاسة البروفيسور عدّة بونجار، محطة مفصلية في مسار التعاطي مع أحد أكثر الملفات الصحية حساسية وتعقيدا في الجزائر، فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها فقط كإجراء تقني أو صحي، بل باعتبارها خيارا استراتيجيا يعكس تحوّلا عميقا في نظرة الدّولة إلى الصحّة العمومية، من منطق التدخل العلاجي إلى منطق الاستباق والتخطيط طويل المدى.

أولا-معالم الاستراتيجية ومحاورها الأساسية:

ترتكز هذه الاستراتيجية على مجموعة من المحاور المتكاملة التي تعكس فهما عميقا لطبيعة المرض وتعقيداته.

في مقدمة هذه المحاور، يأتي تعزيز الوقاية الأولية عبر تقليص عوامل الخطر، من خلال حملات وطنية لمكافحة التدخين، وتشجيع التغذية الصحية، وترسيخ ثقافة النشاط البدني.

كما تشمل الوقاية أيضًا التلقيح ضد بعض الفيروسات المسببة للسرطان، مثل فيروس الورم الحليمي البشري.

أما المحور الثاني، فيتمثل في تطوير الكشف المبكر والتشخيص المبكر، حيث تراهن الاستراتيجية على رفع نسب الكشف المبكر بشكل ملموس، خصوصا لسرطانات الثدي وعنق الرحم والقولون، لما لذلك من أثر مباشر في تقليص نسب الوفيات وتحسين فرص العلاج.

ويبرز كذلك محور تحسين التكفل العلاجي، من خلال تحديث الهياكل الصحية، وتوسيع قدرات العلاج بالأشعة، وتوفير الأدوية المبتكرة، مع العمل على تقليص الفوارق الجغرافية في الوصول إلى العلاج.

ولا تقل أهمية عن ذلك محاور تكوين الموارد البشرية، ودعم البحث العلمي، ورقمنة النظام الصحي عبر إنشاء سجل وطني دقيق للسرطان يسمح بتتبع المؤشرات واتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.

ثانيا-إلى ماذا ترمي الاستراتيجية؟:

ترمي هذه الاستراتيجية إلى تحقيق نقلة نوعية في التعامل مع السرطان، عبر الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي؛ فهي تهدف إلى تقليص معدلات الإصابة على المدى البعيد، ورفع نسب الشفاء، وتحسين جودة حياة المرضى، مع ضمان عدالة صحية تتيح لكل مواطن، أينما كان، فرصة متكافئة في العلاج.

كما تسعى إلى تخفيف العبء الاقتصادي للمرض، الذي يثقل كاهل الأسر والدولة، عبر ترشيد النفقات الصحية وتحسين كفاءة الإنفاق من خلال التخطيط المبني على المعطيات.

ثالثا-الأهداف الاستراتيجية الوطنية:

من بين الأهداف الكبرى التي تسعى الاستراتيجية إلى تحقيقها:

رفع نسب الكشف المبكر إلى مستويات تتجاوز 60–70% في السرطانات ذات الأولوية.

  • تقليص معدلات الوفيات المرتبطة بالسرطان تدريجيا.
  • تحسين نسب البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد التشخيص.
  • تقليص آجال الانتظار للعلاج، خاصة في العلاج الإشعاعي.
  • تعميم التغطية الصحية النوعية في مجال الأورام عبر كامل التراب الوطني.

رابعا-الرهانات والتحديات:

غير أن هذا المشروع الطموح لا يخلو من رهانات كبرى، أبرزها:

  • ضمان التمويل المستدام لتنفيذ البرامج.
  • تحقيق التنسيق الفعّال بين مختلف المتدخلين.
  • تأهيل الموارد البشرية ومواكبة التطورات العلمية المتسارعة.
  • تغيير السلوكيات المجتمعية المرتبطة بعوامل الخطر.
  • تقليص الفوارق بين المناطق في الخدمات الصحية.

خامسا-أهمية مجتمعية ووطنية:

تتجاوز هذه الاستراتيجية بعدها الصحي لتلامس عمق البعد الاجتماعي والإنساني، إذ تعكس التزام الدولة بحماية المواطن وتعزيز كرامته. فالسرطان ليس مجرد مرض، بل تجربة قاسية تمس الفرد والأسرة والمجتمع، والتصدي له يتطلب رؤية جماعية وتعبئة وطنية شاملة.

إن إعداد هذه الاستراتيجية في حد ذاته مؤشر على نضج مؤسساتي، وإدراك بأن مواجهة التحديات الكبرى لا تتم إلا عبر التخطيط، والتقييم، والاستمرارية.

وإذا ما تم تنفيذها بالصرامة المطلوبة، فإنها قد تشكّل نموذجا ناجحا في إدارة الأزمات الصحية، وخطوة حقيقية نحو بناء منظومة صحية عصرية، أكثر عدلا ونجاعة.

الخلاصة:

في المحصلة، نحن أمام مشروع وطني بامتياز، يختزل طموح أمة في حماية أبنائها، ويترجم إرادة سياسية في تحويل التحديات إلى فرص للإصلاح والتقدم.