في حياة الأمم رجالٌ لا يُقاس حضورهم بعدد السّنوات التي عاشوها، بل بمقدار الأثر الذي يتركونه في الوعي الجمعي، وبما يغرسونه في النّفوس من معانٍ تبقى حيّة بعد أن يغيب الجسد، ومن هؤلاء الأفذاذ الشّيخ العلاّمة والمفسّر سي الحاج محند الطيب، الذي رحل عن دنيانا وقد أتمّ اثنين وتسعين عاماً من العطاء، تاركاً وراءه سيرة عالمٍ جمع بين نور القرآن، ورسالة التربية، وعمق الانتماء الحضاري.

لقد كان رحيله أكثر من فقدان شخصٍ كريم؛ كان انطفاء مصباح من مصابيح المعرفة التي أضاءت دروب أجيال كاملة، غير أنّ العلماء من طراز الشّيخ محند الطيب لا يغادرون تماماً، لأنّ آثارهم تبقى ممتدّة في العقول والقلوب، ولأنّ ما يزرعونه من علم يتحوّل إلى حياة أخرى تستمرّ بعد الرّحيل.

نشأ الشّيخ في ربوع منطقة إيفرحونن الشّامخة، وتكوّن في مدارس العلم والزوايا والمعاهد التي صاغت شخصيته الفكرية والروحية، فنهل من معين زاوية ثاغراسث، وتشرّب روح الإصلاح في معهد ابن باديس، ثمّ انطلق في مسار تربوي وعلمي طويل جعل من التّعليم رسالة ومن المعرفة عبادة؛ فكان أستاذاً ومفتّشاً ومربّياً، يؤمن بأنّ بناء الإنسان يسبق بناء المؤسّسات، وأنّ النّهضة الحقيقية تبدأ من العقل المستنير والضّمير الحي.

غير أنّ ما منح اسمه مكانة استثنائية في تاريخ الثّقافة الجزائرية والإسلامية هو مشروعه الرّائد في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية، ولم يكن هذا العمل مجرّد جهد لغوي أو أكاديمي، بل كان فعلاً حضارياً عميق الدّلالة؛ فالتّرجمة في معناها الفلسفي ليست نقلاً للكلمات فحسب، وإنّما هي بناء جسور بين العوالم، وإقامة حوار بين اللّغات والثّقافات دون أن تفقد الحقيقة جوهرها.

لقد أدرك الشّيخ أنّ اللّغة ليست جداراً يفصل بين النّاس، بل جسراً يوصل بينهم، وأنّ القرآن الكريم رسالة موجّهة إلى الإنسان في إنسانيته قبل أي اعتبار آخر، ومن هنا جاءت ترجمته لمعاني الكتاب العزيز عملاً يجمع بين الوفاء للنّص المقدّس والوفاء للهويّة الوطنية بكل مكوناتها، فكان بحق (مُهذّب اللّسانين)، العربية والأمازيغية، وحارساً لمعنى الوحدة في إطار التنوّع.

إنّ اعتماد هذه التّرجمة من مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشّريف لم يكن مجرّد اعتراف بجهد فردي، بل شهادة علمية على قيمة مشروعه ودقّته ومنهجه، وبهذا الإنجاز دخل الشّيخ محند الطيب سجل الروّاد الذين وسّعوا آفاق فهم القرآن الكريم، وقرّبوا معانيه إلى شرائح واسعة من النّاطقين بالأمازيغية داخل الجزائر وخارجها بلا حدود.

ولعلّ أعظم ما يميّز سيرته أنّه لم ينظر إلى الهوية بمنطق الصّراع العبثي، بل بمنطق التكامل المثمر الذي يبني ويشيّد؛ فقد فهم أنّ العربية والأمازيغية ليستا خصمين يتنازعان الذّاكرة الوطنية، بل رافدان يلتقيان في مجرى حضاري واحد يقوّي الوطن ويشدّ ساعده؛ لذلك تحوّل مشروعه العلمي إلى درس عملي في الحكمة الوطنية، وإلى نموذج للمثقّف الذي يبني الجسور بدل المتاريس، ويؤلّف بين القلوب بدل أن يفرّق بينها، فيخدم مطامع الأعداء والخصوم، وهو بذلك يقول بلا تردّد: هيهات منّي الذلّة والشماتة..

وفي زمن كثرت فيه الضّوضاء الفكرية، ظلّ الشّيخ مؤمناً بقيمة العمل الهادئ المثمر، لم يكن من الباحثين عن الأضواء، بل من صُنّاع الأثر، شارك في الهيئات العلمية والنّدوات الفكرية، وأدّى رسالته إماماً ومربياً ومستشاراً، لكنّه ظلّ وفيّاً لذلك التواضع الذي يميّز العلماء الكبار؛ أولئك الذين يرون في العلم خدمة لا وجاهة، وفي المعرفة مسؤولية لا امتيازاً.

لقد عاش الشّيخ محند الطيب مؤمناً بأنّ التربية هي الوجه العملي للعلم، وأنّ القرآن ليس كتاباً للتلاوة فحسب، بل مشروعاً لبناء الإنسان، ولذلك تلاقت في شخصيته أبعاد متعدّدة: المفسّر، والمربي، والمفكر، والمصلح الثّقافي والاجتماعي، وهي أبعاد نادراً ما تجتمع في رجل واحد بالقدر الذي اجتمعت فيه- رحمه الله تعالى-.

واليوم، إذ تودّع الجزائر أحد أبنائها البررة، فإنّها لا تستحضر سيرة فرد فحسب، بل تستحضر نموذجاً أخلاقياً وفكرياً جديراً بأن يُحتذى، فقد أثبت الشّيخ الرّاحل أنّ خدمة القرآن لا تكون بالكلام وحده، بل بالاجتهاد والعلم والصّبر وطول النّفس، وأنّ حماية الهويّة لا تكون بالانغلاق، بل بالانفتاح الواعي الذي يحفظ الأصول ويستوعب التنوّع كمصدر قوّة وتوحيد الصفوف.

رحل الشّيخ سي الحاج محند الطيب، لكن أعماله باقية، وترجمته شاهدة، وتلامذته امتداد لرسالته، وذكراه محفورة في وجدان كل من آمن بأنّ العلم سبيل الارتقاء، وأنّ القرآن نور يهدي إلى سواء السّبيل.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الجزائر وعن الإسلام وعن القرآن خير الجزاء، وجعل ما قدّمه من علم وتعليم وهداية في ميزان حسناته، يوم لا يبقى للإنسان إلا ما زرع من خير وما خلّف من أثر.

وفي نظري المتواضع، أقترح أن تسمّى به إحدى المبادرات:

إمّا مسابقة وطنية أو دولية في مجالات خدمة القرآن وموضوعاته.

أو تسمية مؤسّسة علمية أو فكرية وطنية تعنى بالتربية والتعليم وخدمة الفكر الوطني الأصيل، حتى يترسخّ اسمه قدوة للأجيال في تقدير علمائهم ومربيهم.