دخلت الحملة الانتخابية الخاصّة بتشريعيات 2 جويلية 2026 أيّامها الأولى وسط حراك سياسي وإعلامي متزايد، ومعها عاد إلى الواجهة سؤال أصبح يرافق معظم الاستحقاقات الانتخابية في السّنوات الأخيرة: أين يصنع التّأثير الحقيقي في النّاخب؟ هل في الشّارع والفضاءات العمومية واللقاءات المباشرة مع المواطنين، أم على صفحات “فيسبوك” ومنصّات التواصل الاجتماعي التي تحوّلت إلى ساحات سياسية موازية لا تقل نشاطاً عن الميدان؟
منذ انطلاق الحملة قبل يومين، برزت ملامح مختلفة في أساليب التواصل التي اعتمدتها القوائم والمترشحون؛ فبينما فضّل بعضهم النزول إلى الأحياء والأسواق والتجمّعات السكاّنية وعقد لقاءات مباشرة مع المواطنين والاستماع إلى انشغالاتهم، اختار آخرون تكثيف حضورهم الرّقمي عبر البث المباشر والمنشورات المصوّرة ومقاطع الفيديو القصيرة، سعياً للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين في وقت قياسي وبأقل التكاليف.
ولا شكّ أنّ التطوّر التكنولوجي وانتشار استخدام الهواتف الذكيّة ووسائل التواصل الاجتماعي قد غيّر جزءاً كبيراً من قواعد الحملات الانتخابية التقليدية، فالمترشّح لم يعد بحاجة إلى انتظار موعد تجمع شعبي أو لقاء جواري ليعرض برنامجه، بل أصبح قادراً على مخاطبة آلاف المواطنين بضغطة زر واحدة.
كما بات بإمكان النّاخب الاطلاع على البرامج والتّصريحات والأنشطة الانتخابية في أي وقت ومن أي مكان، وهو ما منح الحملات الرّقمية حضوراً متزايداً وتأثيراً لا يمكن إنكاره.
غير أنّ هذا التحوّل لا يعني بالضّرورة تراجع أهمية الميدان؛ فالتّجربة السّياسية والانتخابية في مختلف الدول أثبتت أنّ التواصل المباشر ما يزال يحتفظ بخصوصّيته وقيمته الرّمزية والعملية في الوقت نفسه، فالنّاخب الذي يلتقي بالمترشّح وجهاً لوجه ويستمع إليه مباشرة قد يكون أكثر قدرة على تكوين انطباع حقيقي حول شخصيته وبرنامجه ومصداقيته، كما أنّ الزّيارات الميدانية تمنح المترشّح فرصة الوقوف على الانشغالات الفعليّة للمواطنين بعيداً عن الصّورة التي تعكسها الشّاشات والمنشورات الرّقمية.
ويبدو أنّ هذا المعطى حاضر بقوّة خلال الحملة الحالية، خاصّة في المناطق التي ما تزال العلاقات الاجتماعية المباشرة تلعب فيها دوراً مؤثّراً في تشكيل المواقف السّياسية، ففي هذه الفضاءات، لا يكفي أن يظهر المترشّح على شاشة الهاتف أو أن يحقّق نسب مشاهدة مرتفعة على مواقع التواصل، بل يُنتظر منه أن يكون قريباً من المواطنين، وأن ينزل إلى الميدان ويتفاعل مع مشاكلهم اليومية ويقنعهم بقدرته على تمثيلهم والدّفاع عن مطالبهم.
في المقابل، لا يمكن التّقليل من الدّور المتنامي الذي تؤدّيه المنصّات الرّقمية في تشكيل الرّأي العام وتوجيه النّقاشات السّياسية؛ فقد أصبحت هذه الوسائل مجالاً مفتوحاً لعرض البرامج الانتخابية وتبادل الآراء ومناقشة القضايا العامّة، كما أتاحت للمواطنين فرصة متابعة المترشحين ومحاسبتهم والتفاعل مع خطاباتهم بشكل مباشر، وأصبحت سرعة انتشار المعلومات والصّور ومقاطع الفيديو عاملاً مؤثّراً في صناعة الصّورة الذّهنية للمترشّح، سواء بشكل إيجابي أو سلبي.
لكن التّأثير الرّقمي يواجه بدوره جملة من التحدّيات، فمن الصّعب في كثير من الأحيان التّمييز بين حجم التفاعل الحقيقي والحضور الافتراضي المصطنع، كما أنّ عدد الإعجابات أو التعليقات أو المشاركات لا يشكّل بالضّرورة مؤشّراً دقيقاً على حجم التأييد الانتخابي الفعلي، فكثير من المستخدمين يتفاعلون مع المحتوى السياسي بدافع الفضول أو المتابعة أو حتى النّقد، دون أن يعني ذلك استعدادهم للتصويت لصاحبه يوم الاقتراع.
إضافة إلى ذلك، تبقى هناك فئات واسعة من المواطنين لا تعتمد بشكل أساسي على وسائل التّواصل الاجتماعي في اتّخاذ مواقفها السّياسية، بل تستند إلى عوامل أخرى مثل القرب من المترشح، وواقعية برنامجه، ومدى قدرته على معالجة القضايا المحليّة التي تهمّ النّاخبين، ولذلك فإنّ المبالغة في تقدير تأثير العالم الافتراضي قد تقود أحياناً إلى قراءات غير دقيقة للواقع الانتخابي.
ومن هنا يبدو أنّ الرّهان الحقيقي في تشريعيات 2 جويلية 2026 لا يتمثّل في الاختيار بين الميدان والفضاء الرّقمي، وإنّما في القدرة على تحقيق التوازن بينهما، فالحملة النّاجحة اليوم هي التي توظّف أدوات العصر الرّقمي دون أن تتخلّى عن أهمية التواصل المباشر، وهي التي تجعل من وسائل التواصل الاجتماعي امتداداً للعمل الميداني وليس بديلاً عنه.
ومع استمرار الحملة خلال الأيّام المقبلة، ستتّضح أكثر ملامح الاستراتيجيات التي يعتمدها المترشحون والقوائم المتنافسة، غير أنّ المؤكّد هو أنّ النّاخب سيظلّ محور العملية الانتخابية، سواء التقى بالمترشح في الشّارع أو تابعه عبر شاشة هاتفه، فالوسيلة قد تتغيّر، لكن الهدف يبقى واحداً: كسب ثقة المواطن وإقناعه بالمشاركة وصناعة الاختيار.
وبين الحضور في الميدان والانتشار في العالم الافتراضي، تبدو تشريعيات 2 جويلية 2026 اختباراً جديداً لقدرة الفاعلين السياسيين على التكيّف مع التحوّلات التي يعرفها الاتصال السّياسي المعاصر. فهل ستثبت الأيام القادمة أن الشّارع ما يزال صاحب الكلمة الأقوى؟ أم أنّ المنصّات الرّقمية أصبحت قادرة على صناعة المزاج الانتخابي وتوجيهه؟ أم أنّ التجربة ستؤكّد مرّة أخرى أنّ النّجاح الانتخابي لا يصنعه عامل واحد، بل يصنعه التكامل بين الميدان والشّاشة، وبين القرب من المواطن وحسن مخاطبته عبر مختلف وسائل التّواصل؟



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين