تكتسب الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس أهمية بالغة، إذ تُقدِم الولايات المتحدة على عرض “الورقة الأمريكية” الخاصة بملف الصحراء الغربية، في خطوة قد تعيد رسم ملامح الموقف الأممي من أحد أقدم النزاعات في إفريقيا.
وتأتي هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية بين الأطراف المعنية، وسط ترقّب واسع لمضمون الوثيقة الأمريكية وما إذا كانت ستُحدث تحوّلاً في مقاربة الأمم المتحدة للقضية، التي ظلت تُصنّف لعقود ضمن قضايا تصفية الاستعمار.
خلفية النزاع الإقليمي
يُعدّ ملف الصحراء الغربية من أقدم النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية، إذ تعود جذوره إلى منتصف السبعينيات حين انسحب الاستعمار الإسباني من الإقليم واندلع النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو.
ومنذ عام 1991، تُشرف بعثة الأمم المتحدة “مينورسو” على مراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة التحضيرات لاستفتاء تقرير المصير الذي لم يُجرَ حتى اليوم، وسط انسداد سياسي طال أمده بسبب غياب توافق حول آلية الحل.
مضمون الورقة الأمريكية
تتضمن الوثيقة التي صاغتها الولايات المتحدة – بصفتها “حاملة القلم” في مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية – مشروع قرار لتجديد ولاية بعثة “مينورسو”، لكنّها تُقترح هذه المرة لمدة أقصر تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر بدلاً من سنة كاملة كما جرت العادة.
وتشير الورقة بوضوح إلى أنّ خطة الحكم الذاتي التي تقدّم بها المغرب تُعدّ “الأساس الأكثر جدّية وواقعية وموثوقية” لتسوية النزاع.
كما تدعو إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية – المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا – دون شروط مسبقة وتحت إشراف الأمم المتحدة.
مواقف القوى داخل المجلس
تُظهر المواقف الأولية أنّ كلاً من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تؤيد المشروع الأمريكي وتعتبره خطوة ضرورية نحو حلّ عملي يحافظ على الاستقرار الإقليمي.
في المقابل، ترفض الجزائر وجبهة البوليساريو الصيغة المطروحة لأنها – من وجهة نظرهما – تُقصي خيار الاستقلال وتُفرغ مبدأ تقرير المصير من مضمونه.
أما روسيا والصين فتتعاملان مع النص بحذر، إذ تُبديان تحفظاً على اللغة السياسية الجديدة التي تميل لصالح الرباط، دون أن تكشفا بعدُ إن كانتا ستلجآن إلى استخدام حق النقض (الفيتو) أو الاكتفاء بالامتناع عن التصويت.
سيناريوهات ما بعد التصويت
في حال اعتماد المشروع دون اعتراض، سيُكرّس القرار للمرة الأولى دعم مجلس الأمن الصريح لخطة الحكم الذاتي المغربية كخيار أساسي للحل، ما قد يفتح الباب أمام مفاوضات جديدة في إطار محدّد زمنياً.
أما إذا استخدمت روسيا أو الصين حق النقض، فقد يتمّ تأجيل التصويت أو إحالة الملف إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لمزيد من النقاش السياسي.
ويرى مراقبون أن تقليص مدة ولاية “مينورسو” قد يكون إشارة من واشنطن إلى رغبتها في تسريع المسار التفاوضي، وربما اختبار مدى التزام الأطراف بالتقدّم نحو تسوية نهائية.
انعكاسات على توازنات المنطقة
تحمل الورقة أبعاداً إقليمية تتجاوز النزاع نفسه، إذ إنّ أيّ تحوّل في الموقف الأممي من القضية سيؤثر في طبيعة العلاقات بين المغرب والجزائر، ويعيد تشكيل التحالفات في منطقة شمال إفريقيا.
فالجزائر تعتبر أنّ أيّ تقليص لدور الأمم المتحدة في مسار تقرير المصير يمسّ بمبدأ جوهري من مبادئ القانون الدولي، فيما يسعى المغرب إلى استثمار الدعم الأمريكي لتثبيت رؤيته النهائية للنزاع.
كما تتابع الدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة هذه التطورات عن كثب، باعتبارها اختباراً جديداً لإرادة المجتمع الدولي في استكمال مسار تصفية الاستعمار في القارة.
مستقبل الملف بعد الورقة
من المنتظر أن يُعرض مشروع القرار الأمريكي للتصويت يوم الخميس أمام مجلس الأمن، في جلسة قد تُحدّد ملامح المرحلة المقبلة من النزاع.
وإذا مرّ القرار، فسيُكلف المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا بمتابعة تنفيذ بنوده وتقديم تقرير دوري حول سير المشاورات، أما في حال تأجيل أو رفض المشروع، فقد يشهد الملف عودة إلى حالة الجمود التي طبعت السنوات الأخيرة.
في جميع الأحوال، يبقى موقف الصين وروسيا حاسماً في تحديد مآلات هذه الورقة، وما إذا كانت ستُمهّد لحلّ سياسي جديد أم ستُعيد الصراع إلى نقطة البداية.
ما رأي الخبراء؟
وفي تعليقٍ على التطورات الأخيرة، اعتبر الدبلوماسي والوزير الجزائري الأسبق عبد العزيز رحابي أن الخطة الأمريكية الخاصة بشمال إفريقيا والساحل تمثل خطرًا على استقرار المنطقة، مشيرًا إلى أنها “تجاوزت الأطراف المعنية بالنزاع وأقصت الصحراويين من أي مشاورات حقيقية”.
وقال رحابي إن الجزائر لم تُستشر من قِبل واشنطن بخصوص ما يُعرض اليوم في مجلس الأمن على أنه “خطة سلام إقليمية”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة وفرنسا تسعيان لفرض شرعية الأمر الواقع على غرار ما حدث في القضية الفلسطينية.
وأوضح أن اتفاقيات أبراهام كانت نقطة التحوّل حين “قايضت واشنطن اعتراف المغرب بإسرائيل مقابل اعترافها بسيادته على الصحراء الغربية”، ما أدى – حسبه – إلى إخراج الملف من الإطار الأممي نحو مقاربة تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ويرى رحابي أن إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شكّلت أساس هذا التوجه، الذي توسّع مع انخراط أوروبا “الأكثر تبعية منذ الحرب في أوكرانيا”، بينما اختارت واشنطن المغرب “كركيزة للأمن الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل الأوسط، على غرار دور إسرائيل في الشرق الأوسط”.
وختم الدبلوماسي الجزائري بالقول إن “الخطة الأمريكية ليست عادلة ولا قابلة للتنفيذ”، مؤكدًا أن “دبلوماسية المقايضة لن تغيّر شيئًا على الأرض، مهما كانت نتيجة مناقشات مجلس الأمن”.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين