أثار اقتراح غريب خلال برنامج إذاعي فرنسي موجة غضب واسعة، بعد أن طال ملف جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في باريس، في قضية شائكة تفتح مجددا جراح الذاكرة الاستعمارية.

وارتبط الجدل بتصريحات الصحفية الفرنسية اللبنانية ليا سلامة من إذاعة “فرانس أنتر”، التي اقترحت مبادلة جماجم المقاومين الجزائريين بالكاتب بوعلام صنصال المسجون في الجزائر.

وقد بلغ عدد الجماجم الموجودة في متحف الإنسان بفرنسا حوالي 9 آلاف، ما يجعل هذا المقترح استفزازًا صارخًا لكل الجزائريين، لما يحمله من إساءة لرمزية شهداء المقاومة، وتمادٍ في التعامل مع ماضي فرنسا الاستعماري الملطخ بالجرائم.

وصف الدبلوماسي والوزير السابق عبد العزيز رحابي المقترح بالفضيحة.

وكتب على حسابه بمنصة “إكس” منتقدًا تبسيط القضية إلى هذا الحد المهين: “صحفية تقترح استبدال تسعة آلاف جمجمة لمقاومين جزائريين في متحف الإنسان بباريس مقابل الإفراج عن صنصال.. هذه فضيحة”.

وجاء تصريح سلامة أثناء استضافتها للكاتب كزافييه ليكلير، الذي أثار الجدل هو الآخر بإصداره كتاب “خبز الفرنسيين”، المتطرق إلى فظائع الجيش الفرنسي في الجزائر.

وسلط ليكلير الضوء على ممارسات استعمارية بشعة، بينها خلط عظام المقاومين الجزائريين بعظام الحيوانات لصناعة السكر في أفران ضخمة.

وأدان الأمير عبد القادر تلك الجرائم آنذاك، معتبرا إياها وحشية تلامس حد “أكل لحوم البشر”.

وفي سياق متصل، تبقى الجزائر تطالب باسترجاع جماجم مقاوميها منذ سنوات، ورغم الجهود لم تُسترجع سوى 24 جمجمة في 3 جويلية 2020.

قضية صنصال تخرج عن مسارها القانوني؟

يُذكر أن بوعلام صنصال، البالغ من العمر 80 سنة، مسجون منذ نوفمبر 2024، بعد تصريحات مسّت الوحدة الترابية للجزائر.

وكان صنصال قد صرّح لقناة “فرونتيير” الفرنسية اليمينية بأن الجزائر “ورثت أراضي مغربية”، ما فجّر أزمة قانونية داخلية.

وقد أدانته محكمة جزائرية ابتدائيًا بالسجن خمس سنوات، مع تحديد موعد الاستئناف يوم 24 جوان المقبل.

ويحظى الكاتب بدعم رسمي من أعلى هرم السلطة في فرنسا، حيث دعا الرئيس إيمانويل ماكرون شخصيا إلى إطلاق سراحه.

وأدى هذا الضغط الفرنسي إلى تسييس الملف أكثر، والظاهر تحوّلت قضية صنصال إلى ذريعة جديدة لتحريك قضية الجماجم.

الجزائر ترفض المساومة على الذاكرة

وفي فيفري الماضي، أطلق مجلس منظمات فرنسية جزائرية عريضة تطالب بإعادة الجماجم، داعيا ماكرون إلى الوفاء بتعهداته السابقة.

وقد جاءت هذه المطالبة بعد تبني الجمعية الوطنية الفرنسية في ديسمبر 2023 لقانون يسمح بإعادة رفات المقاتلين.

ويدور ملف الجماجم حول حقبة دامية من الاحتلال الفرنسي، حين قُطعت رؤوس مقاومين جزائريين واعتُبرت غنائم حرب.

وتم إرسال تلك الجماجم إلى متحف الإنسان في باريس، حيث ظلّت محفوظة منذ القرن التاسع عشر دون أي بُعد إنساني أو أخلاقي.

ولم يُكشف عن هذه الجماجم إلا عام 2011، بفضل أبحاث المؤرخ الجزائري علي فريد بلقاضي، الذي أثبت هويتها وتاريخها النضالي.

الجدير بالذكر أن ملف الذاكرة لا يزال أحد أبرز الملفات الخلافية بين الجزائر وفرنسا، إذ يحمل إرثا دمويا يتطلب اعترافا لا مساومات.