تعتبر فترة انضمام الجزائر كإيالة إلى الدولة العثمانية من أبرز الفترات التاريخية التي تميزت بسمات سياسية واجتماعية وإدارية وثقافية مختلفة، والتي لا تزال تثير اهتمام الباحثين في التاريخ والمؤرخين.

ومؤخرا، كشف السفير التركي لدى الجزائر، كوتشوك يلماز، في حوار خصّ به وكالة “الأناضول” أن ما بين 5 بالمئة و20 بالمئة من سكان الجزائر يُقدّر أنهم من أصول تركية.

ورغم أن الوكالة حذفت هذا التصريح، وأبقت على الحوار كاملاً إلا أنه أثار جدلا واسعا، وشكك مراقبون في الرقم المعلن عنه.

وعلى ضوء هذا التصريح، سلطت منصة “أوراس” الضوء على هذه الفترة من تاريخ الجزائر، من خلال إجراء حوار من الأستاذ في التاريخ بجامعة الوادي، الدكتور عبد القادر كركار.

أ.د عبد القادر كركار، أستاذ في التاريخ بجامعة الشهيد حمّه لخضر بالوادي

نص الحوار

س: ما هي الموجات التاريخية الأساسية لقدوم الأتراك إلى الجزائر، وهل كانت مرتبطة فقط بالوجود العثماني أم استمرت بعده؟

تواجد الأتراك بالجزائر ارتبط بارتباط الجزائر بالدولة العثمانية وانقطع مع الاحتلال ولم تكن هناك موجات هجرة وإنما كانت الدولة العثمانية تبعث فرقا من الشباب المجند تطوعا من الأناضول إلى الجزائر كلما تولي حاكم جديد السلطة في الجزائر كدعم له ورمز لتواصل الارتباط.

 س: كيف كانت طبيعة العلاقة بين العثمانيين والسكان المحليين في الجزائر؟

للأسف لم يندمج العثمانيون (الأتراك) في المجتمع الجزائري بحكم تميزهم عن بقية السكان بوصفهم الفئة التي يجب أن ينحسر حكم البلاد فيها فقط وتحتكر السلطة والمناصب في الدولة، وحتى أبنائهم الكراغلة كانوا محرومين من تولي المناصب العليا.

غير أنه في مواجهة خطر حملات الكفار أو الجيران كانت العلاقة تتميز بالتحالف، فلم يسجل التاريخ الجزائري تحالف جزء من السكان مع العدو ضد السلطة العثمانية الحاكمة، وحتى فرنسا عجزت عن استمالة السكان للثورة ضد الداي حسين عند نزولها في سيدي فرج وإطلاق حملة لدعوة السكان إلى خيانة النظام العثماني والانضمام إليها.

 س: ما أبرز الأحياء أو المناطق التي استقر فيها ذوو الأصول العثمانية في الجزائر، وهل لعبت دورًا خاصًا في المجتمع المحلي؟

استقر ذوو الأصول العثمانية في المدن التلية خاصة، حيث توجد ثكناتهم (القشلات) كشلغوم العيد أو أبراج تأمين طرق المواصلات كبرج حمزة (البويرة) أو برج بوعريريج، والمدن الكبرى كقسنطينة وعنابة والبليدة والعاصمة وهران وتلمسان ولم تكن لهم أحياء خاصة بهم أبدا، فكانوا إما يعيشون في ثكناتهم لا يختلطون بالسكان أو في بيوتهم بعد استقرارهم وزواجهم من جزائريات في مناطق متفرقة.

 س: كيف كان يُنظر إلى الجزائريين من أصول عثمانية داخل المجتمع الجزائري قبل الاستعمار الفرنسي؟

كان الجزائريون من الأصول العثمانية أي الكراغلة يعتبرون أنفسهم أهل للمشاركة في الحكم وتولي المناصب غير أنهم كانوا يلاقون الازدراء والإقصاء من العنصر العثماني الوافد بحكم أنه يتجدد باستمرار من خلال الفرق المجندة التي ترسل إلى الجزائر.

 وفي الوقت نفسه كان هؤلاء الكراغلة يعتبرون أنفسهم أعلى شأنا من بقية عناصر سكان البلد، سواء كانوا من الحضر أو بقية الرعية في الأرياف بحكم نسبهم.

س: هل حافظ هؤلاء على ملامح ثقافية خاصة بهم مثل اللغة أو اللباس أو العادات، أم ذابوا كليًا في الهوية الجزائرية الجامعة؟

ذاب الكراغلة في المجتمع الجزائري بحكم ثقافة أمهاتهم الجزائريات مع الحفاظ على بعض الممارسات كدلالة على أصلهم العثماني.

س: إلى أي مدى ساهموا في تشكيل النخبة الحاكمة أو الإدارية في الجزائر العثمانية؟

مثلما سبق كانت النخبة الحاكمة والإدارية عثمانية محضة، تتجدد باستمرار، وتحتكر المناصب ولم يتح المجال للكراغلة، ويُعتبر أعلى منصب وصلوا إليه هو باي قسنطينة الذي تولاه الحاج أحمد باي الذي كانت أمه من عائلة بن قانة شيخ العرب أو حمدان خوجة ككاتب في الحكومة المركزية.

س: هل يمكن اليوم الحديث عن “مجتمع تركي-جزائري” بالمعنى الهوياتي، أم أصبح الأمر مجرد جذور أنساب عائلية؟

إطلاقا لا يوجد مجتمع تركي أو هوية تركية في الجزائر، وكثير من يدعي أن نسبه تركي أمره غير مؤكد ولم تعد إلا الألقاب فقط ما توحي بصلة للنسب التركي.

س: هل هناك مبالغة في تقدير عدد الجزائريين من أصول تركية؟

لم يتجاوز عدد الأتراك في الجزائر خلال العهد العثماني 12 ألف جندي انكشاري في كامل البلاد موزعين على القشلات والحاميات والأبراج وهؤلاء يعيشون حياة العزوبية إلى غاية تسريحهم من الخدمة، حيث يسمح لهم بتكوين أسرة (على اعتبار أن أسرتهم خلال فترة الخدمة هي الثكنة والجيش)، ومن الطبيعي أن يكون عدد مواليدهم قليل، فتقدير عددهم غير ممكن وهو مبالغ فيه ولا يمكن إطلاقا استغلال تواجد تاريخي ضئيل اندثر مع الزمن سياسيا أو ثقافيا.

س: كيف ينعكس هذا الإرث على العلاقات الجزائرية-التركية المعاصرة، وهل تستثمر تركيا اليوم هذا التاريخ في علاقاتها السياسية والثقافية مع الجزائر؟

تركيا اليوم تستثمر في أمجاد التاريخ العثماني أينما كان، غير أنها لن تجد في الجزائر جالية أو بقايا جالية تركية أو أي عنصر بشري وحتى المادي فهو قليل يعد على الأصابع، كقصر الداي في قلعة القصبة وقصر أحمد باي في قسنطينة وقصر الباي في وهران، أما بقية القصور فلا علاقة لها بالقصور التركية في إسطنبول وغيرها، بل ذات طابع محلى (مغاربي-أندلسي) إلى جانب بعض المساجد ذات الصوامع المثمنة (كتشاوة) أو القباب المتعددة (الجامع الجديد بساحة الشهداء) إلى جانب بعض طراز الملابس (كراكو وقفطان) أو مأكولات.

 وعليه فالعلاقة تاريخية بحكم ارتباط مصير الجزائر بالدولة العثمانية مدة ثلاثة قرون، فكان تاريخ مشترك فقط، وأبرز مظهر للتعاون هو البحث التاريخي بحكم العلاقة المشتركة والأرشيف الثري الذي يؤكد متانة العلاقات في زمن المواجهة بين المسلمين والصليبيين أو الشرق وأوروبا.