دخل قانون تجريم الاستعمار الفرنسي حيّز التنفيذ في الجزائر، عقب نشره في العدد 37 من الجريدة الرسمية، في خطوة سياسية وتاريخية تعيد ملف الذاكرة إلى واجهة العلاقات الجزائرية الفرنسية، وتفتح الباب أمام مطالبات رسمية بالاعتراف والتعويض.

ويصنّف القانون الاستعمار الفرنسي للجزائر، الممتد من 14 جوان 1830 إلى 5 جويلية 1962، باعتباره “جريمة دولة لا تسقط بالتقادم”، مؤكدا مسؤولية فرنسا القانونية عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحقبة الاستعمارية.

وبحسب النص القانوني، فإن الهدف من هذا التشريع يتمثل في “تجريم الاستعمار الفرنسي وآثاره المباشرة وغير المباشرة”، إلى جانب كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بهذه المرحلة والعمل على توثيقها ونشرها.

وسرد القانون قائمة طويلة من الانتهاكات التي أدرجها ضمن جرائم الاستعمار، شملت القتل العمد، والإعدامات خارج القانون، والتعذيب الجسدي والنفسي، والتهجير القسري، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، إضافة إلى التجارب النووية والكيميائية، وزرع الألغام، ونهب الثروات، ومصادرة الممتلكات، وإنشاء المحتشدات، والتجنيد الإجباري، والتنصير القسري.

كما اعتبر القانون أن جميع الجرائم المرتكبة من طرف الجيش الفرنسي أو الأجهزة التابعة للسلطات الاستعمارية أو الميليشيات الداعمة لها “لا تسقط بالتقادم”، بغض النظر عن صفة المتورطين فيها أو أدوارهم، سواء بالتنفيذ أو التحريض أو التواطؤ.

وفي بند أثار اهتماما واسعا، صنّف النص كل أشكال التعاون مع السلطات الاستعمارية ضد المقاومة والثورة التحريرية ضمن “جرائم الخيانة”، في إشارة مباشرة إلى الحركى ومن ارتبطوا بالإدارة الاستعمارية خلال الثورة الجزائرية.

ويحمّل القانون الدولة الفرنسية مسؤولية ماضيها الاستعماري، مع تأكيد سعي الجزائر إلى انتزاع اعتراف رسمي بجرائم الاستعمار، واسترجاع الأرشيف الوطني والممتلكات المنهوبة، إضافة إلى استعادة رفات قادة ورموز المقاومة والثورة التحريرية.

كما تضمّن القانون مطالب مرتبطة بملف التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، إذ دعا إلى تنظيف المواقع الملوثة إشعاعياً، وتسليم الخرائط الخاصة بمواقع التفجيرات والتجارب الكيميائية والألغام، فضلاً عن تعويض الضحايا وذويهم.

وفي الجانب الجزائي، أقرّ النص عقوبات بالسجن تتراوح بين سنة و10 سنوات، وغرامات تصل إلى مليون دينار، بحق كل من يروّج للاستعمار الفرنسي أو يشيد به أو ينكر طابعه الإجرامي، سواء عبر الإعلام أو النشاط الأكاديمي أو الثقافي أو السياسي أو عبر وسائل النشر والتواصل المختلفة.

وشدّد القانون العقوبات عندما تصدر هذه الأفعال عن موظفين عموميين أو داخل المؤسسات التربوية والعلمية أو عبر وسائل الإعلام، كما جرّم أي إساءة أو تشهير يستهدف المجاهدين والمقاومين أو نضال الجزائريين من أجل استرجاع السيادة الوطنية.

وفي ختام أحكامه، شدد القانون على التزام مؤسسات الدولة، بالتنسيق مع المجتمع المدني، بحماية الذاكرة الوطنية وتثمينها، وضمان نقلها إلى الأجيال المقبلة، في إطار تعزيز الهوية التاريخية والثقافية والوطنية للشعب الجزائري.