أثار قرار خفض معدلات التحاق طلبة الجنوب بكليات الطب إلى 14/20 الكثير من الجدل وانقسمت الآراء بين مؤيد يعتبره حلا واقعيا لتحسين وضع القطاع الصحي في الولايات الصحراوية التي تعاني من نقص كبير جدا مقارنة بالولايات الشمالية، بينما اعتبر الرأي الآخر أنه قرار شعبوي كغيره من القرارات التي تحل مشكلة بمشكلة أخرى، وأن مجرد الإشارة إلى خفض المعدلات فيه إهانة لسكان الجنوب واتهامهم بأنهم أقل ذكاء بنظرائهم في الشمال، ناهيك عن أن القرار سيتيح المجال للتلاعبات البيروقراطية مما يساهم في تكريس الرداءة، وأن الأصل يكمن في الإصلاحات الجذرية التي يأتي في مقدمتها تنمية الولايات الجنوبية وتطويرها الأمر الذي يجعلها تستقطب العمالة من كل الولايات كما فعلت دول الخليج التي حولت صحراءها القاحلة إلى مدن مزدهرة يحلم الكثيرون من كل دول العالم بالعمل فيها، ناهيك عن الجانب المتعلق بإصلاح التعليم العالي واستقلاليته التي تخول للمؤسسات الجامعية تحديد المعدلات وغيرها من المواضيع التي تدخل في صميم اختصاصها بعيدا عن التسيير البيروقراطي المسيّس.
لا يمكن إنكار الأسس الموضوعية والحجج العقلانية التي يقدمها الرأي الرافض لهذا القرار، غير أنه يحتوي قدرا من المبالغة كونه ينكر الحقائق الجغرافية الثابتة التي يستحيل تغيّيرها، فمهما عملت السلطة على تهيئة الظروف المعيشية في الولايات الجنوبية تبقى البيئة وقسوة المناخ وفي مقدمتها الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة طاردة، وكل من يجد فرص عمل مقبولة من سكان الشمال في مدنه فإنه سيُفضلها وسيسارع للعودة إلى مدينته هربا من الحرارة، وهذا يحصل حتى مع من يعملون في المدن الخليجية التي يُضرب بها المثل.
من هنا فإن أبناء الجنوب الذين ولدوا وترعرعوا في هذه البيئة واشتد عودهم فيها، يبقون الأكثر قدرة على العيش فيها، ولو أتيحت لهم فرص للعيش في غيرها فإنه يبقى حنينهم إليها مثلما يحصل مع جميعنا حيث نُفضل العيش والعمل في قرانا ومدننا بين أهالينا وأقاربنا وقد نفضل ذلك على بعض المزايا المالية.
والنقطة الثانية التي يتوجب الإشارة إليها في هذا السياق أن خفض المعدل لا يقتضي بالضرورة إهانة لأبناء الجنوب لأن الحقيقة التي لا يمكن انكارها أيضا –وهذا بشهادة من يعملون في مجال التربية والتعليم- أن الظروف القاسية في الجنوب واضطرار التلاميذ للتنقل عشرات الكيلومترات من بيوتهم إلى المدارس والثانويات في أجواء حارة من جهة، وضعف التأطير من جهة أخرى مقارنة بالشمال لابد وأن ينعكس على تحصيلهم، أو بتعبير آخر من يحصل على معدل 14/20 في الجنوب إذا تتاح له نفس الظروف التي تتاح للتلميذ في الشمال يمكنه أن يحصل على معدل أعلى من ذلك بكثير، ويبقى معدل 14/20 محترما ويستحق المُتحصل عليه دراسة الطب وغيره من التخصصات التي تتطلب معدلات مرتفعة جدا.
على الضفة الأخرى فإن خفض المعدل يبقى حلا بسيطا جدا من الحلول التي يمكن أن تساهم في تطويق مشكلة القطاع الصحي في الجنوب، وذلك لا ينفي ضرورة تكفير السلطة عن عقود من الإهمال، ومن حق هذه الولايات أن تحظى بمعاملة تمييزية بحكم الظروف المناخية، والأهم من ذلك كله الاستماع للحلول التي يقترحها أبناء الجنوب فهم أعلم بشعابه.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين