تحيي مدينة ورقلة وولايات الجنوب، الذكرى الرابعة والستين لمظاهرات 27 فيفري 1962، تلك المحطة التاريخية التي شكلت، بإجماع مجاهدين ومؤرخين وأكاديميين، دليلا قاطعا على فشل المشروع الاستعماري الرامي إلى فصل الصحراء الجزائرية عن باقي التراب الوطني، ورسالة شعبية واضحة سبقت مفاوضات إيفيان بأسابيع قليلة، أكدت تمسك الجزائريين بوحدة أرضهم وسيادتهم الكاملة.
سياق سياسي خطير ومحاولات لفرض التقسيم
جاءت مظاهرات ورقلة في ظرف دقيق من مسار الثورة التحريرية، حين كانت فرنسا الاستعمارية تسعى إلى تكريس واقع إداري وسياسي جديد في الجنوب، تمهيدا لفصله عن الشمال.
فمنذ سنة 1957، أنشأت سلطات الاحتلال عمالتين في الصحراء: الساورة ببشار والواحات بورقلة، وعينت وزيرا خاصا مكلفا بشؤون الصحراء، مع تخصيص ميزانية مستقلة، في محاولة لإضفاء طابع “الخصوصية” على المنطقة وتكريس مزاعم تبعيتها لفرنسا، خاصة في ظل ما تزخر به من ثروات طبيعية.
غير أن هذه المناورات قوبلت برفض شعبي واسع، توج بانتفاضة 27 فيفري 1962، التي اندلعت بالتزامن مع زيارة وفد حكومي فرنسي إلى ورقلة، كان يهدف – وفق شهادات تاريخية – إلى الترويج لفكرة أن سكان الصحراء يقبلون البقاء تحت السيادة الفرنسية حتى بعد استقلال الجزائر.
ليلة التحضير وتعليمات الثورة
تفيد شهادات مجاهدين شاركوا في الحدث، من بينهم المجاهد محمد الحاج عبد القادر طواهير، أن التحضير للمظاهرات انطلق عشية 26 فيفري، حيث أمضى عدد من المناضلين ليلة بيضاء في إعداد الرايات الوطنية وكتابة اللافتات المناهضة للاستعمار والمؤيدة لجبهة التحرير الوطني والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
وقد وجهت تعليمات مكتوبة وشفهية، موقعة من الملازم الثاني محمد شنوفي، إلى شيوخ وأعيان 14 مجلسا نظاميا بالمنطقة، تدعو المواطنين إلى التجمع صباح 27 فيفري بسوق الأحد وسط مدينة ورقلة، استعدادا لتنظيم مظاهرة شعبية حاشدة تتزامن مع وصول الوفد الفرنسي.
من سوق الأحد إلى مقر “عمالة الواحات”
صباح يوم 27 فيفري 1962، توافدت جموع غفيرة من سكان ورقلة وضواحيها إلى مكان التجمع، في مشهد عكس وحدة الصف والإصرار على إيصال رسالة واضحة.
وبعد ورود معلومات تفيد بتأخر وصول الوفد الفرنسي إلى غاية الواحدة زوالا، تفرق المتظاهرون بشكل منظم حتى لا تنكشف الخطة، قبل أن يعاودوا التجمع فور وصول الطائرة التي تقل الوفد إلى مطار ورقلة.
حينها انطلقت المظاهرات بشكل عارم، وارتفعت الأعلام الوطنية، وتعالت الهتافات: “الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي الممثل الوحيد للشعب الجزائري”، “لا للاستعمار”، “لا لفصل الصحراء”.
قمع دموي وسقوط شهداء
وأمام هذا المد الشعبي، حاولت السلطات الاستعمارية تفريق المتظاهرين باستعمال القنابل المسيلة للدموع، غير أن إصرارهم على التقدم نحو مقر “عمالة الواحات” حيث كان الوفد الفرنسي متواجدا، دفع قوات الاحتلال إلى استخدام الرصاص الحي.
وأسفر القمع عن استشهاد خمسة متظاهرين، أولهم الشهيد الشطي الوكال، وإصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة.
وكان من بين المصابين المجاهد محمد الحاج عبد القادر طواهير، الذي أصيب بجرح عميق في الجزء العلوي من جسده، إضافة إلى بتر أحد أصابع يده اليسرى التي كانت ترفع العلم الوطني، في صورة تختزل ثمن التمسك بالوحدة والسيادة.
ورغم القمع، اضطر الوفد الفرنسي إلى مغادرة المدينة دون تحقيق هدفه وفشل الرهان على تمرير مشروع فصل الصحراء باسم سكانها.
أثر مباشر على مفاوضات إيفيان
أكد المجاهد إبراهيم بوخطة، عضو الأمانة الولائية لمنظمة المجاهدين ورئيس جمعية 27 فبراير 1962، أن مظاهرات ورقلة شكلت دعما قويا للوفد الجزائري المفاوض في إيفيان، خاصة بعد أن وصلت المحادثات إلى طريق مسدود بسبب إصرار الطرف الفرنسي على مسألة الصحراء.
وأشار إلى أن فرنسا كانت قد استقدمت نحو أربعين مؤسسة إعلامية لتوثيق ما اعتقدت أنه تأييد شعبي لبقائها في الصحراء، غير أن المشهد الذي واجهته كان معاكسا تماما، ما شكل ضربة سياسية وإعلامية موجعة، وعزز موقف الجزائر في التمسك بوحدتها الترابية، وهو ما توج لاحقا بالاعتراف بسيادتها الكاملة على كامل أراضيها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في مارس 1962.
إحياء الذكرى ورسائل متجددة
بمناسبة الذكرى الـ64، أكد مسؤولون وشخصيات وطنية أن مظاهرات 27 فيفري 1962 تبقى صفحة ناصعة في سجل الكفاح الوطني.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري في رسالة له على أن هذه الانتفاضة “أفشلت مخططات الاستعمار لفصل الصحراء”، مجددا التأكيد على استعداد الشعب الجزائري للدفاع عن أرضه وسيادته.
كما أبرز وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت، في كلمة ألقاها بالمناسبة، أن انتفاضة ورقلة جسدت التفاف الشعب حول قيادة الثورة وتمسكه بوحدة التراب الوطني من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، واعتبرها محطة مفصلية أكدت أن الصحراء كانت وستبقى جزءا لا يتجزأ من الجزائر الواحدة الموحدة.
ويؤكد باحثون ومؤرخون أن مظاهرات 27 فيفري 1962 لم تكن مجرد حدث عابر، بل لحظة فاصلة أسقطت أوهام التقسيم ورسخت في الوعي الجماعي أن الصحراء جزء لا يتجزأ من الوطن.
واليوم بعد أكثر من ستة عقود، ومع إحياء الذكرى، تتجدد الدعوات لصون رسالة الشهداء وترسيخ الوحدة الوطنية، في ظل مساعٍ لتعزيز التنمية في الجنوب الكبير وتجسيد مشاريع إستراتيجية تعكس سيادة القرار الوطني.
وهكذا تبقى انتفاضة ورقلة شاهدا حيا على أن إرادة الشعب حين تتوحد قادرة على تغيير مسار التاريخ، وتمهيد الطريق نحو الاستقلال الذي توج بعد أسابيع قليلة بوقف إطلاق النار والاعتراف الدولي بسيادة الجزائر كاملة غير منقوصة.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين