كشفت صحيفة غارديان The Guardian البريطانية تفاصيل عملية سطو مذهلة شهدها متحف اللوفر في باريس، حيث تمكّن أربعة لصوص مقنّعين من سرقة مجوهرات تاريخية لا تُقدّر بثمن تعود إلى الحقبة النابليونية، في عملية وصفتها وسائل الإعلام الفرنسية بأنها “الأجرأ في تاريخ المتحف منذ أكثر من ربع قرن”.

السطو الذي جرى في وضح النهار، أعاد إلى الأذهان مشاهد من المسلسل الفرنسي الشهير “لوبين “Lupin على نتفليكس، الذي تدور أحداثه حول سرقات خيالية داخل المتاحف الفرنسية بذكاء خارق وخطط دقيقة.

كيف تمت السرقة في قلب باريس؟

بحسب تقرير صحيفة  “غارديان”، وصلت عصابة مكونة من أربعة أشخاص يرتدون أقنعة إلى المتحف على متن شاحنة صغيرة مزودة بسلم هيدروليكي قابل للتمديد.

وفي تمام الساعة التاسعة والنصف صباحًا، أي بعد نصف ساعة فقط من فتح أبواب المتحف أمام الزوار، استخدم اللصوص السلم للوصول إلى شرفة في الطابق الثاني المطلة على نهر السين.

وباستعمال أدوات كهربائية دقيقة، اقتحم اثنان منهم نافذة قاعة “أبولو” الشهيرة، التي تضم مجموعة من جواهر التيجان الملكية الفرنسية، وحطموا خزائن العرض الزجاجية في عملية استغرقت نحو سبع دقائق فقط قبل أن يلوذوا بالفرار على دراجتين ناريتين.

مصعد الأثاث، الممتد إلى شرفة معرض في متحف اللوفر، الذي استخدمه اللصوص.

ماذا سُرق من متحف اللوفر؟

أكدت إدارة المتحف أن اللصوص استولوا على ثماني قطع مجوهرات فريدة، بينها:

  • عقد وأقراط قدّمهما نابليون الأول لزوجته الثانية الإمبراطورة ماري لويز،
  • تاج ماسيّ ووسام زينة تابعان للإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث،
  • عقد مرصّع بالياقوت والألماس كانت ترتديه الملكة ماري أميلي، آخر ملكات فرنسا.

أما المفارقة المدهشة، فهي أن اللصوص أسقطوا أثناء فرارهم تاج الإمبراطورة أوجيني المرصّع بـ1354 ماسة و56 زمردة، الذي يُعدّ من أثمن القطع في المجموعة النابليونية.

كما فشل اللصوص في الوصول إلى ألماسة “الريجنت” الشهيرة التي تقدّر قيمتها بأكثر من 60 مليون دولار.

تاجٌ ارتدته الإمبراطورة أوجيني استُهدف من قِبل اللصوص أثناء السرقة. الصورة متحف اللوفررويترز

تحقيقات مكثّفة وغضب رسمي في فرنسا

أُغلق متحف اللوفر لليوم الثاني على التوالي بعد الحادث، فيما باشرت الشرطة الفرنسية تحقيقًا موسعًا بمشاركة 60 محققًا متخصصًا في الجريمة المنظمة.

وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن “العملية نفّذها فريق محترف يتمتع بخبرة عالية”، واصفًا الحادث بأنه “فشل أمني فادح أعطى صورة سيئة عن فرنسا”.

كما أقرّ وزير العدل الفرنسي بوجود “ثغرات كبيرة في نظام تأمين المتاحف” مقارنة بالمؤسسات المصرفية.

المحققون بالقرب من نقطة دخول محتملة للصوص في المتحف

من “لوبين” إلى اللوفر.. عندما يتحول الخيال إلى واقع

أثار الحادث ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث شبّه آلاف المستخدمين مشاهد السرقة بحلقات من المسلسل الفرنسي الشهير Lupin، الذي يؤدي بطولته الممثل “عمر سي”.

في المسلسل، يتمكن البطل “أسّان ديوب” — المستلهم من شخصية اللص النبيل أرسين لوبين — من تنفيذ عمليات سطو دقيقة ضد متاحف باريسية، من بينها اللوفر نفسه في أولى الحلقات، حيث تُسرق قلادة ملكية شهيرة.

وللمفارقة، صُوِّر جزء من المسلسل داخل متحف اللوفر نفسه سنة 2020، ما جعل بعض المشاهدين يصفون ما جرى بأنه “تجسيد واقعي للخيال الدرامي.”

عمر سي في دور أساني ديوب في فيلم Lupin. الصورة نيتفليكس

هل ألهم “لوبين” اللصوص الحقيقيين؟

يرى محللون فرنسيون أن تأثير الثقافة البصرية الحديثة لا يمكن تجاهله.

فبعد نجاح أعمال مثل Money Heist وLupin وOcean’s Eleven، ازداد عدد محاولات السطو المستلهمة من هذه الإنتاجات السينمائية، حيث تُقلّد العصابات أساليبها في التخطيط والتشتيت والتعامل مع الأنظمة الأمنية.

غير أن خبراء الجريمة يؤكدون أن عملية اللوفر “احترافية بحتة” نفذها أفراد منظمون على مستوى دولي، وليس مجرد مقلدين لمسلسل شهير.

سرقات سابقة في تاريخ اللوفر

تعدّ سرقة متحف اللوفر هذه المرة ليست الأولى في تاريخ المتحف الذي تعرض في عام 1911 لسرقة لوحة الموناليزا على يد الإيطالي “فينشنزو بيروجيا”، الذي خبّأها في منزله لعامين قبل أن يُعتقل لاحقًا.

كما شهد المتحف سنة 1956 حادثة شهيرة عندما رمى أحد الزوار حجراً على اللوحة، مما أدى إلى تلف جزء صغير منها.

أما آخر سرقة قبل حادثة 2025، فكانت عام 1998 حين اختفى عمل للفنان كاميل كورو ولم يُعثر عليه إلى اليوم.

“لوبين” يعود إلى الواجهة من جديد

في خضم الجدل حول أمن المتاحف الفرنسية، أعلنت منصة نتفليكس أن الجزء الرابع من مسلسل “لوبين” قيد التحضير، مؤكدة أن مرحلة التصوير بدأت بالفعل.

وجاء الإعلان مصحوبًا بفيديو يظهر فيه النجم عمر سي وهو يعيد تجسيد شخصية أسان ديوب في قلب باريس، قائلاً بعبارته الشهيرة: “Je suis de retour” – “لقد عدت”.

وبينما تتواصل التحقيقات في عملية السطو الجريئة، يبدو أن الخيال سبق الواقع مجددًا، إذ يجد الفرنسيون أنفسهم أمام مشهد يعيد إلى الأذهان مغامرات “لوبين” الشهيرة، لكن هذه المرة بنسخة حقيقية هزّت أعرق متحف في العالم.