في أحد المحلات بباب عزون بالقرب بالقصبة العتيقة قلب الجزائر العاصمة، انبعث صوت الراحل دحمان الحراشي وأغنية التي تقول:”خبي سرك يا الغافل واقرا حذرك لا تبين سرك للغير.. الناس تطول الكلام والحيط بوذنيه…”، أي لا تبح بأسرار لعدة أسباب.

ارتبط هذا الصوت بفترة زمنية ذهبية مع انتشار الأغنية الشعبية بالجزائر، إذ لم يكن هذا الفنان يغني فقط، بل اختصر أحد قوانين الحياة اليومية بالجزائر العميقة، لاحتكاكه الدائم بالبسطاء وعلمته التجارب.

دحمان الحراشي.. درس من الحياة

كلمات الأغنية دعوة صريحة إلى حفظ الأسرار، لأن الألسن لا تتوقف عن الكلام ولن تتوقف عن ذلك، ولأن السر متى خرج من فم صاحبه وقلبه أصبح عرضة للزيادة والنقصان والتحريف والتزييف وربما زيادة الكلام التي يتعامل معها البعض وكأنها إضافة توابل لنكهة وجبة أسرار يتقاسم تفاصيلها البعض حول طاولة أطراف الحديث.

حتى وإن بدت الأسرار شيئا خاصا فإنّ للجدران الصماء آذان تلتقط الهمسات وتنقلها.

هل للحائط آذان؟

لقد قدّم الراحل دحمان الحراشي في هذه الأغنية صورة بلاغية عميقة، حين شبّه الجدار بإنسان يسمع ويتجسس وينقل ويحرّف الكلام، وبذلك منح “الحيط” أذنين كأنهما وسيلة لالتقاط الأسرار الخفية، وهي استعارة حوّلت الجماد إلى كائن حي يراقب وينصت وينقل بل أكثر من ذلك: “لا يمكن أن يؤتمن”.

ومن هنا فإن الإيحاء بأن الكلام لا يبقى حبيس الأمكنة بل يجد دائما طريقه إلى الناس، دليل على أنّ بعض الأغاني هي تنبيه وتعليم وتوعية، في المقابل تضع الفرد أمام قراراته أن يكون سيد نفسه.

من جهة أخرى؛ تعبّر هذه الأغنية عن وعي اجتماعي بخطر البوح بالأسرار وتداعياته، فالأسرار حين تغادر القلوب تصبح مساحة للتأويل والتفسير والتمطيط والإشاعة وربما تصل حدّ البُهتان الذي يوصف بأنه أكبر من إفشاء سر ضاق بصاحبه.

السرّ.. ثمين فأين تضعه؟

في بعض العائلات لاتزال الأمهات تعلّم الأبناء بالهمس بأوجاعهم دون البوح بها، كما تفرض البعض منهن عليهم أن لا يجب أن تتخطى تلك الأسرار عتبة الأبواب المغلقة، وتحثهم على إخفاء أسرارهم داخل البيوت كما تفعل عند إخفاء الأشياء الثمينة… فما سبب ذلك؟.

بداية الحكاية… أقول لك سرا

كثيرا ما صالت وجالت هذه العبارة بين الأشخاص: “أبوح لك ولكن رجاء لا تخبر أحدا”، لكن كثيرة هي المواقف التي يقع فيها الفأس في الرأس كما يقال.

يعود الأمر إلى أنّ من أخبرته بسرّك وطلبت منه أن يحتفظ به لنفسه، فهو بشر ولديه أحبة يحتمل أن يخبرهم بسرّك، ثم يطلب منهم بعدم الإفشاء به.

بهذه البساطة.. لأن السرّ إذا خرج من فم صاحبه صار ملكا للآخرين، يجعل من الجملة عبارة ومن العبارة قصة عن سرك، فتتحول بدورها إلى حكاية تتداولها الألسن، وغالبا ما تصبح وجبة “لذيذة” على طاولة فنجان قهوة أو قعدة شرب شاي ساخن تنتقل إلى وجبة غذائية دسمة.

من هذه الجلسة بدأ البعض يعرف شعور الخوف من البوح بالأسرار، أو بالأحرى عن ذكر آلالمهم وجراحهم الداخلية، وحتى دموعهم وانكساراتهم.

حتى لا يصبح حديث العائلة الكبرى والحي، كما يدرك البعض أن الكلام لا يعود كما كان بعد خروجه، وبعض البشر لا يكتفون بالسماع والمساعدة في الحين، بل يعيدون تشكيل الحكايات حسب فهمهم لها وحسب أهوائهم ورغباتهم.

الجدار الأزرق.. ملكية عامة

عند دخول الهواتف إلى البيوت، وتعددت المنصات على الشبكة الاجتماعية وصار العالم كله داخل تطبيق معين مثل الفيسبوك وغيره من وسائط التواصل الاجتماعي.

 تغيّر ذلك الحائط الذي تحدث عنه الفنان دحمان الحراشي في أغنيته قبل عقود من الزمن، المبني من حجر إلى جدار الفيسبوك.

انتقلت الأسرار من البوح إلى الفضح، ففي البداية كانت مساحة الفيسبوك فضاء للتسلية والتواصل، بداعي مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم وضجرهم وخيباتهم وصورهم ومأكلهم ومشربهم، وتفاصيل أخرى من يومياتهم.

فجأة أصبح جدار الفيسبوك “يبتلع الأسرار كلها”، كما وصفه أستاذ الإعلام والاتصال البروفيسور نصر الدين العياضي في إحدى محاضراته.

ذلك الجدار الذي يسبح في الفضاء الافتراضي، يعتبر نافذة مفتوحة يطل منها الجميع على تفاصيل الآخر وخصوصياته متجاوزة بذلك حدود المكان والزمان في بضع لحظات.

بينما تواصل أغنية “خبي سرك با الغافل..” بإطلاق نصيحتها الذهبية، فهل مازالت كلماتها قادرة على مقاومة رغبة المشاركة بنزع ذلك السر وكأنه حملا ثقيلا على القلب ووضعه عند الآخر؟.

الفرق بين زمن هذه الأغنية واليوم أن ناشر الأسرار لا يموت بكبسة زر.