تعيش الجزائر صيفاً استثنائياً اتسم بارتفاع قياسي في درجات الحرارة، حيث اجتاحت موجات حر شديدة عدداً كبيراً من الولايات، متسببة في اندلاع عشرات حرائق الغابات والأدغال والمحاصيل الزراعية، ومخلفة خسائر بيئية ومادية كبيرة.
وفي ظل تكرار هذه الظواهر المناخية المتطرفة، يبرز التساؤل حول الأسباب العلمية التي تقف وراء هذا الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، وما إذا كان الأمر يتعلق بموجة حر عابرة أم بمؤشرات واضحة على تسارع وتيرة التغير المناخي الذي يشهده العالم.
وهذا الارتفاع لا يقتصر على الجزائر فقط، حيث تشهد الأرض في السنوات الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، وسط تحذيرات متزايدة من العلماء والمنظمات الدولية من تسارع وتيرة التغير المناخي وتداعياته على الإنسان والبيئة والاقتصاد. وتؤكد أحدث البيانات الصادرة عن الهيئات العلمية الدولية، وفي مقدمتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية ووكالة الفضاء الأمريكية، أن الكوكب يسجل أعلى متوسط لدرجات الحرارة في التاريخ الحديث.
وتُظهر القياسات أن متوسط حرارة الأرض بات أعلى بنحو 1.2 إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ارتفاع يُعد مؤشراً واضحاً على تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري نتيجة التغيرات التي أحدثها النشاط البشري في الغلاف الجوي.
النشاط البشري: المحرك الرئيسي
تجمع التقارير العلمية على أن السبب الرئيس لارتفاع حرارة الأرض يتمثل في الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز.
ويأتي حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز، في مقدمة المصادر المسببة لهذه الانبعاثات، سواء في إنتاج الطاقة أو وسائل النقل أو الأنشطة الصناعية، إذ يمثل أكثر من 70 بالمائة من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً.
كما تجاوز تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي 420 جزءاً في المليون، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ أكثر من مليوني سنة.
وفي الوقت نفسه، أدى إزالة الغابات وتدهور الأراضي إلى تقليص قدرة الطبيعة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، بعدما فقدت الغابات دورها الأساسي بوصفها خزانات طبيعية للكربون، ما ساهم في زيادة تراكم الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
كما يلعب غاز الميثان دوراً بارزاً في تفاقم الظاهرة، إذ تفوق قدرته على احتجاز الحرارة قدرة ثاني أكسيد الكربون بنحو 28 إلى 36 مرة على مدى مئة عام. وينبعث هذا الغاز أساساً من أنشطة النفط والغاز والزراعة، وتربية الماشية إضافة إلى مكبات النفايات.
الظواهر الطبيعية تزيد من حدة الأزمة
رغم أن النشاط البشري يمثل السبب الأساسي، فإن الظواهر الطبيعية باتت تتفاعل مع التغير المناخي لتزيد من شدة موجات الحر.
ومن أبرز هذه الظواهر النينيو، التي تؤدي إلى ارتفاع حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي، ما يطلق كميات كبيرة من الحرارة المخزنة في المحيطات إلى الغلاف الجوي، ويسهم في تسجيل درجات حرارة قياسية على مستوى العالم.
كما سجلت المحيطات بدورها أعلى درجات حرارة لسطح مياهها، بعدما امتصت أكثر من 90 بالمائة من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري.
ويؤثر هذا الارتفاع في قدرة المحيطات على تبريد الكوكب، ويؤدي إلى اضطراب أنماط الطقس وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة.
حلقات تغذية راجعة
تحذر الدراسات المناخية الحديثة من أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح يغذي نفسه عبر ما يُعرف بـ”حلقات التغذية الراجعة”، وهي عمليات طبيعية تؤدي إلى تسارع الاحترار العالمي.
ومن أبرز هذه الظواهر تراجع تأثير الألبيدو، حيث يؤدي ذوبان الجليد والثلوج في المناطق القطبية إلى انكشاف مساحات داكنة من المياه والأراضي، تمتص أشعة الشمس بدلاً من عكسها، ما يزيد من ارتفاع درجات الحرارة.
كذلك، يسهم ذوبان التربة الصقيعية في إطلاق كميات كبيرة من غاز الميثان والكربون التي ظلت محتجزة في الجليد لآلاف السنين، وهو ما يعزز بدوره تأثير الاحتباس الحراري ويزيد من صعوبة الحد من ارتفاع درجات الحرارة مستقبلاً.
تحدٍّ عالمي
تؤكد الهيئات العلمية الدولية أن الحد من الاحترار العالمي يتطلب خفضاً سريعاً وكبيراً في انبعاثات غازات الدفيئة، إلى جانب التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة وحماية الغابات وتعزيز السياسات الهادفة إلى التكيف مع آثار التغير المناخي.
ويرى خبراء أن استمرار الاتجاه الحالي للانبعاثات سيؤدي إلى زيادة وتيرة موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات، ما يجعل مواجهة التغير المناخي واحدة من أبرز التحديات التي تواجه العالم خلال العقود المقبلة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين