منذ أكثر من ألفي عام، جلس المؤرّخ الإغريقي ثوسيديدس يدوّن أسباب الحرب المدمّرة التي اندلعت بين إسبرطة وأثينا، فخرج بخلاصة ستظلّ تطارد التّاريخ السّياسي حتّى القرن الحادي والعشرين: (إنّ صعود أثينا والخوف الذي زرعته في إسبرطة هو ما جعل الحرب حتمية).

هذه العبارة التي تحوّلت لاحقًا إلى ما يُعرف بـ(فخ ثوسيديدس) ليست مجرّد استعارة تاريخية، بل نظرية سياسية ثقيلة المعنى، تستحضر كلما ظهرت قوّة صاعدة تهدّد هيمنة قوة قائمة، ولهذا لم يكن استدعاء الرّئيس الصّيني (شي جين بينغ) لهذا المصطلح خلال حديثه عن العلاقات مع (دونالد ترامب) مجرّد ترفٍ فكري أو اقتباس ثقافي؛ بل كان رسالة دبلوماسية مشبعة بالتّحذير، وكأنّ الصّين تقول لأمريكا: (احذروا… التاريخ قد يعيد نفسه).

ما هو فخ ثوسيديدس؟

يقوم المفهوم على فكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: حين تصعد قوّة جديدة بسرعة، تشعر القوّة المهيمنة بالخوف على مكانتها، فيتحوّل القلق إلى توتّر، ثمّ إلى سباق نفوذ، ثمّ إلى حرب قد لا يريدها الطرفان أصلًا، لكنّها تقع بفعل انعدام الثّقة وتراكم الاستفزازات.

أثينا كانت القوّة الصّاعدة اقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، بينما كانت إسبرطة القوّة التقليدية المهيمنة في اليونان القديمة؛ الخوف الإسبرطي من فقدان التفوّق قاد إلى حرب استمرت قرابة ثلاثين عامًا ودمّرت الحضارة الإغريقية نفسها.

وهنا تكمن مأساة (الفخ): الحرب لا تنشأ دائمًا من الرّغبة في القتال، بل أحيانًا من الخوف المتبادل.

لماذا تستحضره الصين اليوم؟

حين تستخدم بكين هذا المصطلح، فهي لا تتحدّث عن الماضي، بل عن الحاضر بكلّ توتّراته.

الصّين اليوم قوّة اقتصادية عملاقة، تنافس الولايات المتحدّة في التكنولوجيا والذّكاء الاصطناعي والنّفوذ التّجاري والصّناعات العسكرية وحتّى في تشكيل النّظام العالمي القادم، بينما ترى أمريكا أنّ صعود الصّين ليس مجرّد منافسة طبيعية، بل تهديد مباشر لقيادتها للعالم منذ نهاية الحرب الباردة.

لذلك، فإن عبارة (هل تستطيع أمريكا والصّين تجاوز فخ ثوسيديدس؟) تحمل في باطنها سؤالًا أكثر رعبًا: هل يمكن للقوّة المهيمنة أن تتقبل شريكًا جديدًا في قيادة العالم دون حرب؟ إنه سؤال القرن.

الحرب الباردة الجديدة.. لكن بأدوات أكثر خطورة

العالم يعيش اليوم شكلًا جديدًا من الحرب الباردة: حصار اقتصادي وعقوبات وحروب إلكترونية وسباق على أشباه الموصلات وعسكرة بحر الصّين الجنوبي وتوتّر حول تايوان وتحالفات عسكرية متقابلة.

لكنّ الفرق بين صراع اليوم وصراع أمريكا والاتّحاد السوفييتي أنّ الاقتصادين الأمريكي والصّيني متداخلان بصورة عضوية، فالمصانع الصّينية تموّل الأسواق الأمريكية، والشّركات الأمريكية تعتمد على السّوق الصّينية، وهذا التّشابك يجعل الحرب مستحيلة وممكنة في الوقت نفسه؛ مستحيلة لأن كلفتها كارثية على الجميع، وممكنة لأنّ التّاريخ مليء بحروب لم يكن أحد يظنّ أنّها ستقع.

من إيران إلى بحر الصين.. عالم يقف على حافة الاشتعال

في ظل التوترات الممتدّة من الشّرق الأوسط إلى شرق آسيا، يبدو العالم وكأنّه يتحرّك فوق حقل ألغام جيوسياسي، أي شرارة في الخليج أو في تايوان أو حتّى في بحر الصّين الجنوبي قد تتحوّل إلى مواجهة تتجاوز حدود الإقليم.

الصّين تراقب كيف تستخدم أمريكا نفوذها العسكري والسّياسي في ملفات متعدّدة، من إيران إلى أوكرانيا وتفهم الرّسالة جيدًا: واشنطن لا تزال تعتبر نفسها الضّامن الوحيد للنّظام الدولي.

أمّا أمريكا، فتنظر إلى التوسّع الصّيني باعتباره مشروعًا طويل الأمد لإعادة تشكيل العالم سياسيًا واقتصاديًا وربما حضاريًا أيضًا.

وهكذا يصبح (فخ ثوسيديدس) أكثر من نظرية؛ يصبح عدسة لفهم الرّعب الكامن خلف الدبلوماسية النّاعمة والابتسامات البروتوكولية.

الفلسفة العميقة للفخ: الخوف باعتباره محرك التاريخ

الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز كان يرى أنّ الخوف هو أصل السّلطة والحروب معًا؛ والدول مثل البشر، قد تتحوّل إلى كائنات عدوانية حين تشعر بأنّ وجودها أو مكانتها مهدّدان.

في هذا المعنى، فإن (فخ ثوسيديدس) ليس مجرّد تحليل استراتيجي، بل وصف للطّبيعة البشرية ذاتها حين ترتدي ثوب الدّول والإمبراطوريات.

إنّه الخوف من الأفول، وأشدّ ما تخشاه الإمبراطوريات ليس الهزيمة العسكرية، بل فقدان الهيبة.

هل يمكن كسر الفخ؟

هنا يظهر السّؤال الذي يشغل المفكرين والدبلوماسيين: هل التّاريخ قدرٌ لا يُقاوم؟

بعض الباحثين يرون أنّ العالم تعلم من مآسي الحروب الكبرى، وأنّ الرّدع النّووي والتشابك الاقتصادي سيمنعان أيّ مواجهة مباشرة بين الصّين وأمريكا، بينما يرى آخرون أنّ الحروب الكبرى غالبًا ما تبدأ بسوء تقدير صغير أو حادث محدود ثمّ تتدحرج مثل كرة نار.

ولعلّ أخطر ما في المرحلة الحالية أنّ العالم لم يعد ثنائي القطبية فقط، بل متعدّد الأزمات: أوكرانيا وإيران وتايوان والطّاقة والذّكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتراجع الثّقة بالمؤسّسات الدّولية.

كل ذلك يجعل النّظام العالمي أشبه بسفينة ضخمة وسط عاصفة، يقودها قادة يعرفون خطورة الاصطدام لكنّهم لا يملكون دائمًا القدرة على تفاديه.

حين استحضر الرّئيس الصّيني (فخ ثوسيديدس)، فإنّه لم يكن يستدعي شبح مؤرّخ يوناني قديم، بل كان يقرع جرس إنذار للعالم كلّه.

التّاريخ يقول: إنّ انتقال القوّة بين الإمبراطوريات غالبًا ما يكون دمويًا. لكنّ التّاريخ نفسه ليس سجنًا مغلقًا؛ فالبشر قادرون أيضًا على التعلّم.

ويبقى السّؤال معلّقًا فوق القرن الحادي والعشرين: هل تنجح أمريكا والصّين في كتابة فصل جديد يتجاوز لعنة التّاريخ؟
أم أنّ العالم يسير ببطء وثقة عمياء نحو الحرب التي حذّر منها (ثوسيديدس) قبل ألفي عام؟

نتابع.. ونلاحظ.. وننتظر.