أثار الإعلان عن مشروع قانون مرور جديد، بعقوبات وُصفت بغير المسبوقة وقد تصل إلى عشرين سنة حبسًا، موجة واسعة من الجدل والبلبلة في أوساط المواطنين، سرعان ما تحولت إلى احتجاجات مهنية وإضرابات نقابية، لتقود في النهاية إلى تراجع أو تردد رسمي في تمرير الصيغة المقترحة، وبعيدًا عن الانفعال، يفرض هذا الحدث نفسه بوصفه لحظة تستدعي قراءة متأنية تتجاوز ظاهر النص القانوني إلى دلالاته السياسية والاجتماعية.
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان حول خطورة حوادث المرور وما تخلّفه من خسائر بشرية واقتصادية جسيمة، جعلت الطرقات في كثير من الأحيان فضاءً للنزيف اليومي الصّامت، والموت القاسي المؤلم، ومن هذا المنطلق، تبدو نية تشديد الرّدع مفهومة ومبرَّرة أخلاقيًا، بل ومطلوبة وطنيًا؛ غير أنّ الإشكال لا يكمن في غاية الرّدع بقدر ما يكمن في وسيلته وحدودها.
فالقانون، في فلسفته الحديثة، يقوم على مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، والتمييز الصّارم بين الخطأ غير العمدي والفعل الإجرامي المقصود، وعندما تُرفع عقوبات أخطاء مرورية-حتىّ وإن كانت قاتلة-إلى مستويات تقترب من جرائم القتل العمد أو المساس بأمن الدّولة، فإنّ السؤال يصبح مشروعًا: هل نحن أمام تشريع إصلاحي أم ردّ فعل انفعالي استجاب لضغط الحوادث الصّادمة والرّأي العام؟
هذا السؤال القانوني يتقاطع مباشرة مع ردّ الفعل الشّعبي الرافض، فالمواطن، ولا سيما الفئات المهنية المرتبطة بالنّقل، لم يرفض تنظيم المرور في حدّ ذاته، بل عبّر عن خوف عميق من قانون صارم يُطبَّق في سياق يفتقر-في نظره- إلى العدالة والشفافية والتكافؤ في إنفاذ النصوص، ويزداد هذا الخوف حين تُطرح العقوبة قبل إصلاح المنظومة، فيتحوّل القانون من أداة حماية إلى مصدر تهديد مباشر للرزق والحياة الاجتماعية.
أمّا الإضرابات النقابية، فلا يمكن اختزالها في بعدها الاحتجاجي الآني، بل تعكس انتقال القضية من مستوى الفرد إلى مستوى الكتلة الاجتماعية المنظّمة، حيث تلتقي المطالب المهنية بالقلق الاجتماعي العام، وربما بالتوظيف السياسي للّحظة، وهنا، تصبح المواجهة غير متكافئة: نص قانوني صارم في مقابل مجتمع يشعر بأنّه لم يُستشر ولم يُقنع.
في هذا السّياق، يبدو تراجع السّلطة أو تردّدها خطوة كاشفة أكثر من كونها ضعفًا أو فشلًا؛ فهي تكشف من جهة، محدودية التشريع الفوقي حين يُفرض دون نقاش عمومي، وتكشف من جهة أخرى، حاجة السياسات العمومية إلى بناء التوافق بدل الاكتفاء بمنطق الأمر والرّدع.
ويبقى السؤال المركزي: هل تشديد العقوبات هو فعلًا الأولوية؟ أم أنّه خيار سهل يُخفي عجزًا عن خوض الإصلاحات الأعمق والأكثر كلفة؟ ذلك أنّ السلامة المرورية لا تُبنى بالعقوبة وحدها، بل بمنظومة متكاملة تشمل:
- تحسين البنية التحتية وتهيئة الطرق.
- إصلاح نظام منح رخص السياقة والتكوين.
- مكافحة الفساد الإداري المرتبط بالمراقبة.
- اعتماد وسائل وقاية ورقمنة حديثة تقلل من الخطأ البشري.
- إشراك المجتمع المدني والمهنيين في صياغة الحلول لتحقيق مفهوم المسؤولية المشتركة.
إنّ ما جرى حول قانون المرور ليس معركة هامشية، بل هو اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع: هل تقوم على الرّدع وحده، أم على الثّقة والمشاركة والمسؤولية المشتركة؟
خلاصة القول، إن الجدل الذي رافق مشروع قانون المرور لا ينبغي أن يُختزل في صراع بين سلطة ومواطن، ولا في شدّ وجذب ظرفي حول مواد عقابية، بل يجب أن يُستثمر بوصفه فرصة نادرة لإعادة التفكير جماعيًا في نموذج السلامة المرورية الذي نريده. فالأزمات، حين تُدار بعقلانية، تتحول من عبء إلى مدخل للإصلاح.
ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة موجَّهة إلى كل الأطراف المعنية-السلطة التشريعية والتنفيذية، النقابات المهنية، خبراء القانون، ومكونات المجتمع المدني-للانخراط في نقاش وطني جاد يفضي إلى اعتماد منظومة قانونية مرورية حضارية.
والحضارية هنا لا تعني التراخي ولا التساهل، كما لا تعني الاستنساخ الأعمى لتجارب الآخرين، بل تعني:
- قانونًا يقوم على التناسب والعدالة لا على المبالغة والردع الصادم.
- منظومة توازن بين العقوبة والوقاية، وبين الزجر والتربية.
- نصوصًا واضحة تُطبَّق على الجميع دون استثناء أو انتقائية.
- سياسات تُقدّم إصلاح المنظومة (الطريق، التكوين، الرقابة، التكنولوجيا) على الاكتفاء بتجريم السلوك.
- شراكة حقيقية تجعل المواطن طرفًا في الحل، لا موضوعًا للعقاب فقط.
بهذا المعنى، فإن السلامة المرورية ليست معركة قانونية عابرة، بل مشروعًا حضاريًا يعكس مستوى نضج الدولة، ودرجة ثقة المجتمع في مؤسساته. وحين يُصاغ القانون في هذا الأفق، يتحول من أداة خوف إلى إطار مسؤولية مشتركة، ومن نص عقابي إلى ثقافة تحمي الحياة وتكرّس احترام القانون.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين