قبل صدوره بأيام قليلة جذب كتاب “وحشية قرننا. الحرب على فلسطين والإنسان الغربي الأخير” للباحث الجزائري أمير نور اهتماما واسعا ونقاشات محتدمة في الولايات المتحدة ودول غربية. ينطلق المؤلف من سؤال مركزي. كيف تحولت القيم التي ترفعها القوى الغربية من حرية وحقوق إنسان وسيادة قانون إلى مواقف مرتبكة أمام مأساة فلسطين. ويقدم عملا يسعى إلى تحليل ما يسميه “صرخة فكرية عميقة” في زمن تداخلت فيه الشعارات مع الدم وبهت فيه صوت العقل تحت وطأة التضليل.

يؤكد نور أن كتابه ليس سردا تاريخيا بقدر ما هو محاكمة حضارية لعصر كامل. فالغرب الذي قدم نفسه منارة للحرية بات شاهدا، بل شريكا في جرائم إبادة وفق توصيفه. ومن منبر لحقوق الإنسان إلى مقصلة صمت أمام مجازر لا تحتمل ولا تغتفر ولا تنسى. ومن هنا تتجاوز أطروحته النقد السياسي المباشر لتلامس أسئلة أخلاقية وفلسفية حول معنى الإنسان وضمير العالم عندما يتعرض شعب أعزل لحرب طويلة ومركبة.

تفكيك السرديات وشواهد من الداخل الغربي

يرتكز الكتاب على تفكيك السرديات الغربية الرسمية كما تتجلى في الخطاب السياسي والإعلامي. ويذهب المؤلف إلى أن إعلاما موجها قلب الحقائق فجعل من الضحية جانيا ومن الجاني ضحية. ويورد في سبيل ذلك شهادات وتقارير صادرة من داخل الغرب نفسه.

ويرى أن ما يحدث في فلسطين يمثل “وحشية القرن”، وهي عبارة يستحضرها من توصيفات أممية لواقع الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويقارب المؤلف هذا المسار ضمن إطار أشمل ينطلق من الحرب على غزة وفلسطين إلى توصيف “بزوغ فجر العصر الجديد”. عصر نزع التغريب حيث يعاد توزيع القوة وتكتب القيم العالمية من جديد وتتغير الموازين الأخلاقية.

بحسب رؤية نور لا يتعلق الأمر بصراع سياسي ظرفي. بل بمنعطف تاريخي يؤذن بتراجع ركائز هيمنة عمرها ثلاثة قرون. ويستند في ذلك إلى مسار تراكمي يتقاطع فيه الجيوسياسي مع الإنساني. إذ يرى أن هشاشة شرعية القوة تتكشف حين تفشل في اختبار العدالة. وأن سردية “الدفاع عن النفس” التي تتكرر في الساحة الغربية لا تصمد أمام معايير القانون الدولي ووقائع الميدان ومعاناة المدنيين.

في هذا السياق يقدم الكاتب خلاصة كثيفة. فلسطين ليست قضية شعب محتل فحسب، بل مرآة لضمير العالم. فالذين يقفون وسط ركام غزة لا يشهدون دمار مدينة فقط. بل يرون انهيارا أخلافيا في قلب الحضارة الغربية. وهو انهيار يفرض مراجعة جذرية لمعاني الحرية والكرامة والمساواة التي طالما رفعتها العواصم الكبرى عنوانا لنفوذها الرمزي.

من هو أمير نور؟ وما مساره؟

أمير نور باحث جزائري في العلاقات الدولية وزميل باحث في مركز الأبحاث حول العولمة في كندا. تخصص في دراسة علاقة الغرب بالعالم العربي الإسلامي عبر التاريخ. وأصدر عدة كتب من بينها “العالم العربي على موعد مع سايكس بيكو جديد” الذي نشر في الجزائر سنة 2016. ويستند في كتابه الجديد إلى مزاوجة بين خبرته البحثية وقراءة نقدية للخطاب الغربي وسياساته في المنطقة.

قراءات داعمة من دبلوماسيين وباحثين

حظي الكتاب بتقديم شخصيات أكاديمية ودبلوماسية بارزة. من بينها وزير الخارجية الجزائري الأسبق احمد طالب الإبراهيمي الذي يشدد على أهمية تفكيك المناورات التي تستهدف المنطقة وعلى ما يتعرض له الحق الفلسطيني من مظالم. ويثمن دقة التوثيق وعمق التحليل ويوصي بقراءته.

كما يقدم الدبلوماسي الأميركي السابق تشاس فريمان قراءة ترى في الكتاب عملا معمقا يكشف كيف أدى مسار الأحداث منذ السابع من أكتوبر إلى سقوط ما تبقى من السلطة الأخلاقية للغرب وتآكل مصداقية القانون الدولي وتغير في خرائط النظام العالمي.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يجب على العرب والمسلمين أن يدركوا حجم المناورات والدسائس الرهيبة التي تُحاك ضدهم، عبر إذكاء نيران الفتنة والانقسام بين أبناء الأمة الواحدة: بين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، والعرب والأمازيغ، والمسلمين والمسيحيين. والدليل على ذلك ما تتعرض له القضية المركزية للعرب والمسلمين، فلسطين السليبة، من مظالم وانتهاكات – أحمد طالب الإبراهيمي

وتأتي شهادة الكاتب والصحافي الفلسطيني رمزي بارود لتؤكد أن العمل يقدم نقدا جريئا للإمبريالية الغربية وللاستعمار الاستيطاني في فلسطين. ويحرر سردية الصراع من الاختزال عبر وضعها في سياق عالمي أشمل يدعو إلى كتابة أكثر عدلا للتاريخ.

سياق أوسع وأسئلة مفتوحة

يتعامل كتاب “وحشية قرننا” مع فلسطين كاختبار نهائي لمصداقية منظومة القيم الغربية. لكنه يذهب أبعد من ذلك ليطرح سؤال المستقبل: إذا كانت القوة الرمزية للغرب تتآكل حين تفشل في واجهة الأخلاق، فكيف سيعاد تشكيل الشرعية الدولية؟ ومن يعيد تعريف الحق والعدالة حين تتعدد المراكز وتتنافس الروايات؟

يطرح الكتاب هذه الأسئلة ولا يدعي امتلاك إجابات يقينية. لكنه يضع بين يدي القارئ مادة تحليلية غنية تدفع إلى التفكير في ما بعد الحرب. وفي معنى التضامن الإنساني عندما تتغير موازين القوة.

بهذا المعنى يندرج الكتاب ضمن أدبيات نقد ما بعد الهيمنة. فهو لا يكتفي برصد الخلل الأخلاقي والسياسي. بل يستشرف ما يسميه المؤلف “عصر نزع التغريب”. حيث تتراجع مركزية الرواية الواحدة وتتقدم سرديات مشتقة من تجارب الشعوب. ويقترح إعادة وصل بين السياسة والأخلاق تستند إلى حقوق متساوية وكرامة مصونة وذاكرة لا تقبل محو الضحايا.

إن الجدل الذي رافق الكتاب قبل طرحه يعكس حساسية لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف المصالح والقيم والاصطفافات. وهو جدل يتوقع أن يستمر مع صدور العمل ووصوله إلى قراء يبحثون عن تفسير لما يجري في فلسطين والعالم. وعن لغة توازن بين التحليل البارد وحرارة المأساة الإنسانية. وهي اللغة التي يسعى كتاب أمير نور إلى مقاربتها بوصفه مرافعة فكرية ضد وحشية القرن. ونقدا صريحا لسرديات هيمنت طويلا ثم بدت اليوم عاجزة أمام اختبار فلسطين.