في تعديل حكومي لافت، قرر الرئيس عبد المجيد تبون فصل وزارة الطاقة إلى وزارتين مستقلتين، واحدة تُعنى بالمحروقات والمناجم، أسندت إلى محمد عرقاب بصفته وزير دولة، وأخرى بالطاقة والطاقات المتجددة، بقيادة مراد عجال، الرئيس المدير العام السابق لمجمع “سونلغاز”.
خطوةٌ وصفت بأنها تحول مؤسساتي استراتيجي يعكس رغبة الجزائر في رفع كفاءة التسيير وتحقيق الانتقال الطاقوي بشكل مدروس.
وفي هذا السياق، أجرت منصة أوراس مقابلات مع خبراء ومحللين في مجالي الاقتصاد والطاقة، للوقوف على أبعاد هذه الخطوة ومدى قدرتها على دفع الجزائر نحو مرحلة جديدة من الانتقال الطاقوي.
تعزيز التخصص القطاعي
يرى ساري نصر الدين، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن القرار يعكس “رغبة الدولة في تعزيز التخصص القطاعي ورفع كفاءة التسيير”، مشيرًا إلى أن تمكين كل قطاع من صياغة استراتيجيته الخاصة بشكل مستقل، قد يُحدث نقلة نوعية في الأداء.
وأوضح ساري أن فصل قطاع الطاقات المتجددة في وزارة مستقلة من شأنه أن يُسرّع وتيرة المشاريع النظيفة، خصوصًا أن الجزائر تملك إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، تقدرها بعض الدراسات بأكثر من 3000 ساعة إشعاع شمسي سنويًا، خصوصًا في المناطق الجنوبية.
وحسب المتحدث ذاته، قطاع المحروقات والمناجم، الذي يوفّر أكثر من 90% من عائدات التصدير، سيُركّز على تعزيز الاستثمارات في النفط والغاز والمعادن، فيما سيتولى قطاع الطاقة المتجددة تطوير مشاريع نظيفة تعتمد على الشمس والرياح وتحديث الشبكات الكهربائية.
وأضاف ساري أن الفصل الإداري يهدف إلى تعزيز التخصص القطاعي، حيث أصبح بإمكان كل وزارة صياغة سياساتها بمعزل عن الأخرى، وفقًا لأولوياتها ومجال تدخلها.
كما أشار إلى أن هذا الفصل “يرسل رسائل طمأنة قوية للمستثمرين الأجانب”، نظرًا لما يوفره من وضوح في المسؤوليات وتقليص للبيروقراطية، حيث سيتعامل المستثمر في الطاقة الشمسية مثلًا مع جهة وزارية واحدة محددة، ما يعزز مناخ الأعمال ويجذب رؤوس الأموال نحو المشاريع الخضراء.
تحديات التنسيق والتمويل
رغم تفاؤله، نبه مُحدث أوراس من التداخل في الصلاحيات، مؤكدًا أن “نجاح هذه الخطوة يتوقف على وجود آليات تنسيق واضحة بين الوزارتين”، لتفادي ازدواجية القرار أو تشتت الصلاحيات، خاصة في الملفات المشتركة مثل الربط الكهربائي أو مشاريع الهيدروجين الأخضر.
كما أضاف أن التحدي الأكبر يتمثل في التوازن بين قطاع المحروقات التقليدي وقطاع الطاقات النظيفة سيكون مكسبا جيدا وذلك ما سيجعل القرار مكسبا جيدا.
ما تأثير القرار على سوناطراك وسونلغاز؟
من جهته، اعتبر علي شقنان، الخبير في الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي، أن هذا الفصل الوزاري يُعدّ بمثابة “إشارة قاطعة لعزم الجزائر على المضي في تحقيق الانتقال الطاقوي التدريجي”، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الموارد التقليدية مع التوسع في البدائل النظيفة هو “السيناريو الأمثل” لتحقيق أمن طاقوي طويل المدى.
وأضاف شقنان في حديثه لأوراس أن شركات كبرى مثل سوناطراك وسونلغاز تُعدان محركتين رئيسيتين في هذا التحول، حيث تعملان فعليًا على تنويع أنشطتهما لتشمل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، من خلال سلسلة من الاتفاقيات مع شركات عالمية كبرى.
وفي المقابل أوضح نصر الدين ساري أن تأثير القرار على شركات كبرى مثل سوناطراك وسونلغاز سيكون تنظيميًا، حيث ستواصل سوناطراك تركيزها على المحروقات، فيما من المرجح أن تتعاون سونلغاز أكثر مع وزارة الطاقات المتجددة لتوسيع مشاريعها في إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة وهو ما قد يفتح أمامها فرص شراكات جديدة ويزيد من قدراتها التنافسية في السوق الداخلي والخارجي.
وقال أستاذ الاقتصاد الدولي ساري لأوراس إن هذا التوجه يعكس وعيًا رسميًا بأن العالم يتجه إلى اقتصاد منخفض الكربون، والجزائر مطالبة اليوم بـ”الانخراط بقوة في السوق العالمية للطاقات النظيفة”، خاصة أن حجم الاستثمارات العالمية في هذا القطاع يُتوقع أن يتجاوز 2.5 تريليون دولار في أفق 2030.
تجارب دولية ناجحة
ويأتي التوجه الجزائري في سياق دولي مشابه، حيث عمدت دول عديدة إلى فصل وزارات الطاقة التقليدية عن الطاقات المتجددة، منها الهند التي أسست وزارة مستقلة للطاقة المتجددة (MNRE)، ونيجيريا التي أنشأت وزارة خاصة بالغاز.
إضافة إلى مصر التي تعمل منذ سنوات بوزارة للكهرباء والطاقة المتجددة وقد مكنت هذه التجارب من تسريع وتيرة الإنجاز وجذب استثمارات أجنبية معتبرة.
وفي هذا السياق، ذكر ساري عدة تجارب دولية اعتمدت الفصل بين وزارات الطاقة التقليدية والطاقات المتجددة مثل الهند وألمانيا بشكل أقل (دائرة وزارية فقط للطاقات المتجددة).
وأوضح المتحدث ذاته، أن هذه الدول استطاعت عبر التخصص الإداري تسريع وتيرة مشاريعها في الطاقة النظيفة وتوفير أطر أكثر جاذبية للمستثمرين، مشيرا أن الجزائر يمكن أن تستفيد من هذه التجارب إذا نجحت في ضمان استقرار مؤسساتي ورؤية طويلة المدى.
وزير جديد بخبرة ميدانية
يذكر أن الوزير الذي عين على رأس وزارة الطاقة والطاقات المتجددة، مراد عجال يشغل منذ ديسمبر 2021 منصب الرئيس المدير العام لمجمع “سونلغاز”.
وقد نال في جويلية 2025 وسامًا رئاسيًا تقديرًا لإسهاماته في تطوير القطاع، كما يمتلك عجال مسيرة مهنية تمتد لسنوات في توزيع الكهرباء والغاز، وأشرف على مشاريع استراتيجية لتوسيع شبكات الكهرباء الوطنية.
تجسّد هذه الخطوة الحكومية طموح الجزائر في إعادة هيكلة قطاع الطاقة بما يتماشى مع التحولات العالمية، وتنويع الاقتصاد الوطني بعيدًا عن التبعية الكاملة للمحروقات.
تبقى الأنظار موجّهة نحو وزارتي الطاقة الجديدتين، لمعرفة كيف سيتحول هذا الفصل الوزاري من قرار تنظيمي إلى رافعة اقتصادية حقيقية تنقل الجزائر إلى مصاف الدول الرائدة في الطاقة المستدامة.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين