نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا تناولت فيه انهيار التحالف السوري-الإيراني الذي دام عقودًا.

وأشارت كاتبة المقال إلى أن هذا التحول الجذري قد يعيد رسم الخارطة السياسية للمنطقة. فرغم الدعم الكبير الذي قدمته طهران لنظام بشار الأسد، بما في ذلك الأموال والدماء، إلا أن إيران قررت في لحظة حرجة التراجع والخروج.

نقطة تحول في العلاقات السورية-الإيرانية

خلال العقود الماضية، كانت إيران الداعم الأساسي لنظام الأسد، حيث أسست قواعد عسكرية ومصانع أسلحة في سوريا لتأمين مصالحها الإقليمية ودعم حلفائها. ومع اشتداد ضغط المعارضة المسلحة على دمشق، بدأت إيران، الجمعة الماضية، في إجلاء عسكرييها وموظفيها الدبلوماسيين، وفقًا لمصادر إيرانية وإقليمية.

هذا الانسحاب المفاجئ يُعد اعترافًا ضمنيًا بفشل المشروع الإيراني في سوريا. فقد أصبحت طهران عاجزة عن تعبئة الموارد اللازمة للدفاع عن الأسد بعد سلسلة من الأزمات الإقليمية، بدءًا من الحرب الإسرائيلية على غزة.

انعكاسات إقليمية وخسائر استراتيجية

تُشير الصحيفة إلى أن انهيار التحالف السوري-الإيراني سيُضعف “محور المقاومة”، الذي أسسته إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن، مما يُعزز من نفوذ إسرائيل وحلفائها في المنطقة. ووفقًا لحسن شمشادي، الخبير الإيراني في الميليشيات، فإن سوريا كانت “العمود الفقري” لوجود إيران الإقليمي، وأي خسارة هناك تعني شللًا كبيرًا لقدرتها على دعم حلفائها.

تفكك داخلي وتداعيات غير مسبوقة

الصدمة الإيرانية من تقدم المعارضة السورية السريع، وما تبعها من خسائر عسكرية واستراتيجية، انعكست على تصريحات المسؤولين الإيرانيين. فبينما حاولوا إظهار التمسك بدعم الأسد علنًا، أظهرت تسريبات خاصة أن ثقتهم تتلاشى.

من جهة أخرى، بدأ الإعلام الإيراني في تغيير لهجته تجاه المعارضة السورية، في مؤشر واضح على قبول القيادة الإيرانية للواقع الجديد. كما وثقت وسائل الإعلام تفريغ المواقع الشيعية المقدسة مثل مزار السيدة زينب، الذي كان رمزًا لتبرير التدخل الإيراني في سوريا.

رسائل المعارضة والبحث عن حلول تفاوضية

وفقًا لمصادر الصحيفة، تلقت طهران رسالة من “هيئة تحرير الشام”، تعهدت فيها بحماية المواقع الشيعية مقابل خروج آمن للقوات الإيرانية. هذا العرض يُظهر تحولا في ديناميكيات الصراع، حيث باتت إيران تبحث عن الحد من خسائرها بدلًا من السعي لتحقيق مكاسب جديدة.

نهاية المشروع الإيراني في سوريا؟

منذ بداية التدخل الإيراني في سوريا عام 2012، كان الهدف تأمين مصالحها الإقليمية ودعم حلفائها مثل “حزب الله”. إلا أن الهجمات الإسرائيلية المتكررة على المواقع الإيرانية، والتغيرات الإقليمية، والحرب في أوكرانيا، أسهمت جميعها في استنزاف قدرات طهران.

ويُعزى التراجع الإيراني أيضًا إلى فشل النظام السوري في تقديم الدعم المطلوب. ومع تهديدات إسرائيل المستمرة، بما في ذلك اعتراض الطائرات الإيرانية، أصبح من الواضح أن طهران تواجه خيارات صعبة.

مستقبل غامض لإيران في المنطقة

يرى خبراء مثل أفشون أوستوفار أن طهران في مأزق حقيقي. فإذا استمرت في سوريا، قد تُكبد نفسها خسائر فادحة في معركة خاسرة. أما إذا انسحبت، فإنها ستبدو ضعيفة أمام خصومها في تل أبيب وواشنطن. هذا الوضع يعكس مدى تعقيد الحسابات الإيرانية في مرحلة ما بعد الأسد.

واقع جديد للشرق الأوسط

انسحاب إيران من سوريا ليس مجرد تغيير في التحالفات، بل بداية لحقبة جديدة في الشرق الأوسط. وبينما تستعد إيران للتعامل مع تداعيات هذا التحول، ستواصل القوى الإقليمية إعادة ترتيب أوراقها لتحقيق أقصى استفادة من الفراغ الذي خلفه هذا الانسحاب المفاجئ.