شارك السفير الفرنسي بالجزائر ستيفان روماتيه، الخميس الفارط، في مراسم إحياء ذكرى 17 أكتوبر 1961، في خطوة قرأتها الأوساط السياسية الفرنسية كمؤشر على محاولة جديدة من الإليزيه لطيّ صفحة الخلافات مع الجزائر.
وجاءت المشاركة بدعوة رسمية من قصر الإليزيه، ما جعلها تُفهم كرسالة سياسية أكثر منها مجرّد حضور رمزي، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توتراً متواصلاً منذ أكثر من عام.
ويأتي هذا التحرك في ظرف دقيق تمرّ به فرنسا داخلياً، وسط أزمات سياسية واجتماعية متصاعدة، ما يجعل الانفتاح على الجزائر رهاناً مزدوجاً داخلياً وخارجياً.
وفي حين ظهرت المناسبة في ظاهرها ذات طابع إنساني، فإن خلفياتها السياسية تكشف عن رغبة باريس في إعادة التموضع دون أن تغيّر بعد أدواتها التقليدية في إدارة العلاقة.
رسائل رمزية من الإليزيه
وتؤكد وسائل إعلام فرنسية أن تكليف روماتيه بالمشاركة لم يكن قراراً دبلوماسياً عادياً، بل بادرة رئاسية محسوبة لاختبار إمكانية فتح صفحة جديدة بعد فترة من الفتور السياسي.
وترى هذه الأوساط أن باريس تحاول الجمع بين الاعتراف التاريخي الموجّه للرأي العام الجزائري، وتخفيف حدّة الخطاب المتشنج الذي طبع مواقفها في ملفات الهجرة والأمن.
وقد ساهم رحيل برونو روتايو من وزارة الداخلية وتعيين لوران نونيز مكانه في إضفاء نبرة أكثر هدوءاً على اللهجة الفرنسية تجاه الجزائر.
غير أن هذا التوجه سرعان ما اصطدم بتقرير برلماني دعا إلى مراجعة اتفاق 1968 المنظم لإقامة الجزائريين بفرنسا، وهو ما أعاد التناقض بين الخطاب الرئاسي المائل للتهدئة والضغط التشريعي الداخلي.
مصالحة تحت الاختبار
ويشير المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا إلى أن رحيل روتايو قد يسهم في تهدئة الأجواء وعودة الحوار الثنائي، لكنه حذّر من استمرار بعض الدوائر المقربة منه في تأجيج الخطاب العدائي ضد الجزائر.
كما رأت صحف فرنسية أخرى أن ماكرون يحاول، من خلال هذه الإشارات الرمزية، استعادة صورته “كرئيس دولة” في ظل الصعوبات الداخلية التي يواجهها.
ويذهب آخرون إلى أن التغير في اللهجة الفرنسية لا يمكن فصله عن حسابات المصالح، إذ باتت الجزائر تمثل لفرنسا بوابة حيوية لإعادة التموضع في إفريقيا والفضاء المتوسطي.
ومع تقلّص نفوذ باريس في القارة وصعود قوى منافسة كالصين وروسيا وتركيا، تسعى فرنسا لتوظيف رمزية الذاكرة الاستعمارية كأداة ناعمة لاستعادة مكانتها الاقتصادية.
بين الرمزية والبراغماتية
ومن هذا المنطلق، تُقرأ خطوة مشاركة السفير الفرنسي كتحرك براغماتي بواجهة إنسانية، يهدف إلى فتح قنوات اقتصادية جديدة تحت غطاء التهدئة السياسية.
وترى بعض الأوساط الفرنسية أن ما يجري لا يمثل نهاية لأزمة بقدر ما يشكل بداية لمسار مختلف عنوانه الحذر.
فالإشارات السياسية الصادرة من باريس تبدو واضحة في نواياها، لكنها ما تزال تفتقر إلى الاتساق المؤسسي الذي يمنحها المصداقية المطلوبة.
وبين ذاكرة الماضي وضغوط الحاضر، تبقى العلاقة بين الجزائر وفرنسا معلقة على خيط دقيق يوازن بين الرمز والمصلحة، وبين الوعود والأفعال.
ردّ الجزائر؟
من جهة أخرى، تُظهر الجزائر ثباتًا في مقاربتها تجاه باريس، إذ تعتمد مبدأ السيادة والمعاملة بالمثل في إدارة الملفات المشتركة.
فهي لا تتجاوب مع التلميحات الدبلوماسية بقدر ما تنتظر خطوات عملية تعكس احترامًا متبادلاً ومراجعة حقيقية للسياسات الفرنسية السابقة.
وبذلك، تتحرك الدبلوماسية الجزائرية وفق مبدأ “الثقة تُبنى بالأفعال لا بالإشارات”، في وقت تسعى فيه باريس لاستعادة قنوات التواصل من موقع أقل تأثيرًا مما كانت عليه سابقًا.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين