في عام 2012، انتشر خبر مضلل على نطاق واسع، بشأن إرسال الجزائر لمرتزقة للقتال في صفوف كتائب القذافي في ليبيا، تبين بعد فترة أن هذا الخبر المكذوب، كان فبركة إعلامية استهدفت تشويه الموقف الجزائر في الساحة الليبية، وكان الفاعل الإقليمي في هذا التضليل مكشوفا.

تشبه هذه القصة، حملة تضليل وأكاذيب تسوقها أطراف تونسية، بعضها محسوبة على كتلة المعارضة، منذ الثلاثاء، حول إرسال الجزائر لأعداد من الجزائريين إلى تونس، للمشاركة في مظاهرات مؤيدة للرئيس قيس سعيد التي تنظم اليوم 17 ديسمبر. لا يحتاج الأمر إلى حد أدنى من الحصافة لاستجلاء أن مثل هذا الخبر لا يستند لا إلى واقع ولا إلى منطق ولا إلى حقيقة.

لقد وقع توظيفٌ رخيص لتواجد عدد من حافلات السواح الجزائريين متوقفة في شارع الحبيب بورقيبة ومحمد الخامس وسط تونس، وهو مكان توقف دائم للحافلات الجزائرية، للزعم بأن هذه الحافلات جلبت متظاهرين جزائريين لتأييد قيس سعيد، الخبر سخيف والاستدلال عليه سخيف أيضا .

ما هو ملاحظ وبشكل بالغ في الفترة الأخيرة، وجود اشتغال إدراكي مُركّز (يتجاوز المجال التونسي) على إقحام الجزائر، بسبب أو من دون، في المسائل الداخلية وصراعات الحكم والمعارضة في تونس، لم يعد الأمر مجرد مواقف وقراءات سياسية يمكن أن تُأخذ وتُرد، ولكنه بات عملا بيداغوجيا يركز على اغتيال النقاط الحساسة في العلاقة الجزائرية التونسية، وتدمير الروابط ومجالات التعامل التي كرسها الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين البلدين، وفي الواقع، فإن هذا الاشتغال كان قد بدأ قبل ذلك، عندما أُشيع تورط الجزائر في دم المناضل اليساري الشهيد شكري بلعيد عام 2013.

لا أعتقد أن هناك سوء فهم فحسب في تونس، بل هندسة إدراك سلبي، لاستمرار الجزائر في أداء دورها التقليدي المساند بتونس، والحريص على استقرار العلاقة بعض النظر تماما عن طبيعة السلطة الحاكمة في تونس وشخوصها وتوجهها السياسي، وهو بفحص تاريخي، الموقف والدعم ذاته لتونس ماديا واقتصاديا (وهو واجب) في كل المراحل؛ قبل الثورة وبعدها، سواء في حكم بورقيبة وبن علي أو خلال حكم النهضة أو نداء تونس، قبل يوليو 2021 أو بعد ذلك.

من المؤسف حقا، أن يتشكل لدى جزء من النخب في تونس، هوس مرضيٌ في بعض الأحيان بالجزائر، كل خطوة أو زيارة لوزير جزائري أو اتفاق قطاعي أو لقاء ثنائي، يتم تفسيره في اتجاه واحد، ذي صلة بدعم نظام قيس سعيد. إن مثل هذه التفسيرات المهوسة والقلقة، لا تفرق بين استحقاقات الدولة واستمراريتها والعلاقات بين الدول، وبين المشكلات الداخلية التي تخص التونسيين أنفسهم.

كل صاحب قناعات تقدمية، لا يجد لنفسه موقفا إلا أن يتقاسم تطلع التونسيين للمسألة الديمقراطية، وقناعة أن تونس لن تكون إلا ديمقراطية ومقاوِمة للسلطة المطلقة، وأن كل النضالات التونسية من أجل تحقيق هذه الطموحات جديرة بالاحترام، وأن في تونس صف طويل من الشخصيات السياسية المناضلة، ونخب إعلامية ثقافية حرة وجديرة بالتقدير، إذا قدمت إضافات مميزة وإسهامات في المتن السياسي تتجاوز الجغرافيا التونسية، غير أنه من الظلم إلقاء عبئ الإخفاق في تحقيق المقاصد الديمقراطية، أو تفسير الفشل في تحقيق الدافع الداخلي، على حساب الجزائر.