حين يقف الملك تشارلز الثّالث أمام الكونغرس الأمريكي، فالأمر لا يتعلّق بخطاب بروتوكولي عابر، بل بلحظة رمزيّة كثيفة الدلالات، تختلط فيها السّياسة بالتّاريخ، والبلاغة بالقيادة، واللّغة بالفعل، ما قُدِّم لم يكن مجرّّد كلمات منمّقة، بل نصٌّ مصوغ بعناية تُذكِّر بما كان يُعرف في التّراث العربي بـ: المعلّقات؛ نصوص تُعلَّق لا لزخرفها فقط، بل لقدرتها على التقاط روح العصر وتكثيفها في خطاب واحد.
اللاّفت في هذه الكلمة لم يكن فقط سلاسة الأداء أو أناقة اللّغة، بل القدرة على الجمع بين التوازن والجرأة، لقد بدا الملك، رغم خلفيته الملكية المحافظة، وكأنّه يخوض حوارًا مباشرًا مع القلق الأمريكي المعاصر: أمن مضطرب، حرية محل جدل، ديمقراطية تتعرّض لاختبارات قاسية، واقتصاد يعيد تشكيل ذاته وسط عواصف عالمية، كلّ ذلك طُرح دون صخب، ولكن أيضًا دون مواربة.
من الواضح أنّ هذا الخطاب لم يكن ارتجالاً، بل ثمرة عمل فريق خبير يدرك حساسية اللّحظة؛ الكلمات هنا لم تُكتب بالحبر فقط، بل وُزنت كما يُقال “بميزان الذهب”، ومع ذلك، فإنّ نجاح الخطاب لا يُنسب للفريق وحده؛ فثمّة فرق بين نص جيّد وخطاب مؤثّر، وهذا الفرق يصنعه المتحدّث نفسه، قدرة تشارلز على الإلقاء، على التوقّف في اللّحظة المناسبة، على إضفاء مسحة إنسانية حتّى في القضايا الجافّة، هي ما منح النّص حياته.
في المقابل، لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن السياق الأمريكي الدّاخلي، خاصّة بعد سنوات دونالد ترامب التي تركت أثرًا عميقًا في الخطاب السّياسي الذي بدا فوضويا متهالكا ينحدر نحو الابتذال، لقد شهدت الولايات المتّحدة خلال تلك المرحلة تحوّلًا ملحوظًا نحو لغة أكثر حدّة، وأقل اكتراثًا بالتّقاليد البلاغية التي كانت تميّز الخطاب العام، ومن هنا، بدا ظهور زعيم أجنبي يتحدّث بلغة متماسكة، ويصوغ أفكاره في جمل مكتملة، وكأنّه استعادة لصورة مفقودة أو على الأقل مؤجّلة.
أحد أكثر اللّحظات دلالة في الخطاب كان اقتباسه من أوسكار وايلد: “لدينا حقًا كل ما هو مشترك مع أمريكا هذه الأيام، طبعًا باستثناء اللغة”، هذه الجملة، السّاخرة في ظاهرها، العميقة في باطنها، لم تكن مجرّد دعابة عابرة، بل تذكير بأنّ اللّغة ليست مجرّد وسيلة للتواصل، بل مرآة للعقل السّياسي والثّقافي. حين تضطرب اللّغة، يضطرب التفكير، وحين تتدهور البلاغة، يتراجع مستوى النّقاش العام.
ما قدّمه تشارلز لم يكن درسًا في البلاغة فقط، بل في فن القيادة أيضًا، القيادة هنا لا تعني فرض الرّأي أو استعراض القوّة، بل القدرة على بناء جسر بين المختلفين، وعلى مخاطبة القلق دون استغلاله، وعلى طرح القضايا الكبرى دون الوقوع في فخّ الشّعارات، في عالم يتّجه أكثر فأكثر نحو الاستقطاب، تصبح هذه القدرة نادرة، وربما ثمينة إلى حدٍّ يجعلها تبدو استثنائية.
لكن من المهم أيضًا تجنّب المثالية المفرطة، فالخطابات، مهما بلغت من الجودة، لا تغيّر الواقع وحدها، هي تؤثّر، تلهم، وربما توجّه، لكنّها تظلّ جزءًا من منظومة أوسع تشمل المؤسّسات والسّياسات والقرارات، ومع ذلك، لا يمكن التّقليل من أهمية اللّحظة الرّمزية؛ فالخطاب الجيّد قد لا يحلّ الأزمات، لكنّه يعيد ضبط البوصلة، ويذكّر بما يمكن أن يكون عليه النّقاش العام.
في النّهاية، ما جرى لم يكن مجرّد حدث دبلوماسي، بل لحظة تأمّل في معنى الخطاب السّياسي نفسه، بين فوضى اللّغة في بعض المنابر، وانضباطها في هذا المشهد، يظهر السؤال الأهم: هل لا تزال؟








لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين