جلس في الجهة اليمنى للحافلة المتجهة من العاصمة إلى سطيف شرق الجزائر، وبدا كأي مسافر عادي يحمل حقيبة وبعض الأوراق بين يديه. ولكن بعد نحو ساعة تقريبا من انطلاق الرحلة، بدأ يمزق الأوراق ورقة تلو الأخرى، ثم يرميها من النافذة، بينما كانت القصاصات تتطاير خلف الطريق السريع كأنها سنوات كاملة تتبعثر في الهواء.

كان ذلك في شهر رمضان الفائت، بالتزامن مع فتح عدد من الجامعات مسابقات توظيف الأساتذة المساعدين. لقد بدا ذلك المشهد وكأن الرجل يريد التخلص من مرحلة كاملة من حياته.

لم يكتف بذلك بل ترك بصمته بطريقة ساخرة في منشور في مجموعة خاصة بالدكاترة الجزائريين البطالين على منصة فيسبوك، وتحدث عن التناقض بين مظهره وواقعه الحقيقي، وهو يتنقل من جامعة إلى أخرى بحثا عن فرصة الظفر بمنصب، بينما لا يملك في جيبه ما يكفي حتى لتكاليف الرحلة.

وكتب: “ارتديت بدلة وأنا أتنقل من جامعة لأخرى، لإجراء المقابلة الشفهية، ولكني كنت أتناول إفطار المغرب بمطاعم الرحمة”.

ما قيمة كل التعب والشهادات والسيرة الذاتية التي لا يرى منها هؤلاء سوى ورقة ونقطة؟

ورقة.. ما الذي تخفيه؟

في سوق العمل قد يُرفض شخص لأن خبرته “غير كافية”، بينما يحمل داخله سنوات من الصبر والضغط ومحاولات النجاة، وهي أشياء لا توجد لها خانة داخل الملف المهني.

وهنا يبرز السؤال المحوري: هل يمكن فعلا لورقة واحدة أن تحكي قصة إنسان كاملة؟ أم يجب أن تختصر كل سيرة ذاتية سنوات من الانتظار وتهذب معركة طويلة لا يراها أحد؟.

على العموم اختصر سوق العمل آلاف الأشخاص داخل ملفات “بي دي أف” أو “وورد” لا تتجاوز صفحتين، رغم أن خلف تلك الصفحات سنوات طويلة من الدراسة، والاجتهاد والقلق والحوف والفشل والانتظار.

حياة مهنية مرتبة

بعد سنوات من الدراسة، يكتشف كثير من خريجي الجامعات والمعاهد أن أصعب اختبار لم يكن في قاعات المحاضرات، بل في محاولة إقناع ورقة واحدة بأنهم يستحقون فرصة للعمل.

تقول كريمة أسروت (42 سنة) خريجة دكتوراه علوم اقتصادية: “لم انكسر في مسارات الدراسة، ولا ضغوط الحياة، ولا حتى الخوف من المستقبل… لكنني أصبت بانهيار عندما بلغني أن ملفي لا يتناسب مع متطلبات الوظيفة”.

وأضافت: “في الحقيقة مع مرور الوقت، فإن الرد في حدّ ذاته رفع معنوياتي، لأنني راسلت العشرات من المؤسسات دون أي رد، على الأقل هؤلاء احترموا تعبي في إرسال السيرة الذاتية وراسلوني.. نعم بالسلب ولكن أقدر لهم ذلك.”

سنة وراء أخرى تتغير الوثيقة المهنية، وتتغير معها الكلمات وترتيب الخبرات والمهارات بحسب كل جهة توظيف، وربما لهذا السبب تبدو السير الذاتية مرتبة أكثر مما ينبغي.

فعند النظر إليها تبدو الحياة المهنية مستقيمة وواضحة: تواريخ، مناصب، شهادات، ومهارات مكتوبة بعناية، وكأن طريق الحياة المهنية كان مستقيما وواضحا منذ البداية. لكن الحقيقة، كما تقول أسروت مختلفة تماما: “كل مهارة تعلمتها وراءها تجربة قاسية”.

في الورق يبدو كل شيء مرتبا؛ انتقال من وظيفة مؤقتة إلى أخرى، واكتساب للخبرة وتطوير للمهارات، ثم مواصلة التقدم بثبات.

لكن في الوقت نفسه لا تظهر عدد المرات التي فكر فيها بالاستسلام، ولا الخوف الذي كان يرافقه وهو يرسل طلبات التوظيف من دون أي رد.

ما الذي لا يكتب أبدا؟

هناك أشياء لا تستطيع السيرة الذاتية التعبير عنها مهما بلغت احترافيتها، حيث لا توجد خانة مخصصة لليالي القلق، ولا سطر يشرح كيف نجا الإنسان من تفجير سيارة مفخخة أمام حي جامعي، ولا فقرة تصف تجربة عمل امتدت لأشهر دون أجر، لتنتهي بعبارة: “ابحث عن مكان آخر”.

كما أن السيرة الذاتية لا تذكر عدد المرات التي شعر فيها صاحبه بعدم الكفاية، ولا كيف اضطر لإخفاء انهياره النفسي حتى يواصل العمل بشكل طبيعي.

المثير أنّ بعض أقوى الخبرات المهنية لا يمكن كتابتها أصلا، لأنها ليست “إنجازات” قابلة للعرض بل معارك داخلية صامتة.

ويتساءل أستاذ الرياضيات محمد آيت عثمان (تعليم متوسط): كيف يمكن اختصار الخوف داخل سطر؟ وكيف يمكن كتابة الانهيار النفسي تحت عنوان إدارة الضغط؟.

وبحكم تجربته مع السير الذاتية؛ يرى أن لغة طلبات التوظيف محدودة جدا فهي قادرة على وصف النتائج، لكنها في المقابل عاجزة عن وصف الثمن الذي تم دفعه للوصول إليها.

حين تصبح المعاناة خبرة

مع أول رفض، وأول خطأ كبير وأول خيبة أمل، يكتشف الإنسان أن الاجتهاد وحده لا يضمن العدالة في التوظيف، وأن الشهادات العليا قد تتحول مع الوقت إلى وثائق محفوظة داخل خزانة مغلقة لا يلتفت إليها أحد.

لقد غيّرت هذه اللحظات نظرة الكثيرين للحياة وللعمل، وبدلت روحهم من حالة حيوية إلى ساحة فراغ لا يملأه أي رد أو استجابة، خاصة عندما شعروا أن ذلك “الكنز” المتمثل في الشهادات والخبرات المخفي في تلك الخزانة لا يعني شيئا داخل سوق العمل.

واقعيا؛ لكن لا يمكن اختصار التجارب الإنسانية بسهولة، لأن الخبرة الحقيقية لا تصنعها النجاحات والشهادات وحدها، بل تصنعها أيضا لحظات الانتظار والفشل والخذلان.

أما بالنسبة لإدارة الضغط، فكانت بالنسبة للكثير ممن تحدثوا عن تجاربهم، عبارة عن “مهارة ولدت داخل تعاملهم مع ظروف قاسية لم يكن فيها خيار سوى الاستمرار”.

ومع مرور الوقت، يتحول ذلك الشخص الذي كان بالأمس مرتبكا وخائفا إلى شخص يبدو اليوم محترفا وقادرا على التحمل، رغم أن هذه النسخة الإنسانية لا تظهر أبدا داخل السجل المهني.

وثيقة تختزل الرحلة

المثير للانتباه أنّ الوثيقة المهنية لدى الملايين من الناس مرت بتحولات كثيرة، من الأوراق اليدوية إلى الملفات الرقمية المصممة بعناية، مرورا بمواقع التوظيف ومنصات التواصل المهني.

والأصعب من ذلك؛ هذه التحولات عاشها البعض مثل ذلك البطال في الحافلة، فسيرته الذاتية عرفت تلك التحولات، لكنه تشبث بالورق وخيباته جعلته لا يصدق أن رسائله تصل عبر الشبكة العنكبوتية قائلا: “ربما الإدارة تصدق الملموس.. الورق”.

وفي كثير من الأحيان، يتعاون أكثر من شخص في صياغتها، عبر تعديل الكلمات وترتيب الخبرات وحذف بعض التفاصيل، وإضافة معلومات تبدو أكثر احترافية في صفحة أو صفحتين فقط.

لكن المفارقة الحقيقة، هناك فجوة كبيرة بين الخبرة المكتوبة والخبرة المعاشة في سوق العمل.

وسبب ذلك يرجع إلى أن قيمة ملف التوظيف توضح ما يستطيع الإنسان القيام به، لكنه لا يشرح كيف أصبح قادرا على القيام به أصلا.

الإنسان الذي لا يظهر

يخفي الملخص المهني الجانب الإنساني من حقيقة تجارب الكثيرين. يقول مراد . ح (39 سنة) “أرسلت أكثر من 156 سيرة ذاتية إلى مؤسسات، لكن للأسف لم يتم الرد إلا مرتين فقط، فقد بعث الأول التفاؤل على المشاركة في مسابقة توظيف يتنافس عليها الآلاف، أما الثاني فكان صادما: السيرة الذاتية لا علاقة لها بالتخصص”.

 ويتوقع الكثيرون أن الشركات تستقبل مئات وآلاف الطلبات، ما يدفعها إلى التصفية السريعة اعتمادا على مؤشرات مختصرة وكلمات مفتاحية على نحو: العمل الجماعي، وإدارة الوقت، التواصل والقيادة وغيرها من الكلمات أو اختصارات لمجموعة من المؤشرات السريعة التي تسمح لأي مؤسسة باتخاذ قرار اتجاه الملفات المهنية.

لكن السيد مراد الذي نجح لاحقا في الحصول على وثيقة الهجرة إلى الولايات المتحدة، يلخص تجربته بجملة قاسية: المؤسسات تبحث عن نسخة وثيقة قابلة للعرض، وليس عن الإنسان نفسه”.

وبذلك فخلف كل ملف توظيف توجد قصة لا يراها أحد؛ شخص كان يبحث عن عمل ليس فقط من أجل الراتب، بل من أجل الشعور بأنه مازال قادرا على الاستمرار.

السيرة الذاتية لا تقول الحقيقة

بعيدا عن الشهادات والأرقام، تبدو الصورة التي يرويها كثيرون ليست بهذه البساطة، لأن الحياة المهنية قد تبدو مرتبة جدا على الورق، إلا أن حقيقتها كانت أكثر فوضى مما تبدو عليه.

وتقول ملكية بومعروف (طالبة علم النفس بجامعة الشلف): “يمكن للأوراق أن توثق المهارات والشهادات لكنها لا تستطيع أن تشرح الظروف التي صنعتها”.

وربما لهذا السبب لا تكذب السيرة الذاتية، لكنها أيضا لا تقول الحقيقة كاملة إذ هي محاولة لاختصار رحلة معقدة داخل كلمات قليلة يفهمها سوق العمل.

هنا يبدأ الجزء الأصعب الذي يواجهه الآلاف من البطالين في الجزائر، لأن بعض أقوى ما يملكونه لا يظهر في الملف المهني ولا يمكن إثباته أو نفيه إلا إذا وضع في سكة التجربة الفعلية عبر وظيفة.. إنها المفارقة القاسية.