عندما يفوز شخص بوظيفة من أول مسابقة يقال عنه: “عندو الزّْهرْ”، وهي عبارة شعبية متداولة في الجزائر وتستعمل للدلالة على الحظ والتوفيق.
هي من أكثر التعابير تداولا في الحياة اليومية، وتقال لوصف شخص نجح في تجاوز المواقف الصعبة أو نجا من مشاكل ومطبات بسهولة، في صورة تشبه كثيرا للمثل الشعبي:” خرج من المشكلة مثل الشعرة من العجين”.
هل يتعلق الأمر بالحظ فقط؟
يتعدى استعمال هذه العبارة فكرة الحظ، لترتبط بعالم رمزي أوسع تحضره الأزهار والعطور والطقوس الاجتماعية.
وعليه تحمل كلمة “الزّهر” في بعض مدن الجزائر؛ معنى آخر مرتبطا بالورد والأزهار، ومنه “ماء الزهر” أو “ماء الورد”، وبذلك فالخيط الرابط بين “عندو الزهر” ومستخلص الورود، يتمثل في الرائحة الطيبة والجمال والصفاء، وكلها تغذي الروح.
فبين عبور المواقف الشائكة والنجاة منها بيسر، ومذاق ماء الورد الطيب والرائحة الزكية يتعدد المعنى، وهو ما يجعل كلمة “الزهر” في المخيال الشعبي الجزائري مرتبطة بكل ما هو جميل وإيجابي وعكسها: “ما عندوش الزّهر”.
كما تستحضِر صورة الزهور بما تحمله من جمال وعطر وبهجة وفرح، الحظ السعيد وما يرافقه من نجاح وطمأنينة وراحة.
لذلك، عندما يقال عن شخص “عندو الزهر”، فإن المعنى لا يقتصر على الحظ فقط، ويتقاطع المعنى الشعبي لها، ويمتد ضمنيا إلى صورة رمزية للجمال والخير والتفاؤل.
علاقة الحظ بماء الورد
تأخذ الازدواجية في معنى عبارة “عندو الزهر” إلى منحى آخر، كما يبدو أنها ليست صدفة، إن تم البحث عنها في يوميات الأفراد.
كما اتضح أنها أحد مداخل فهم الوعي الجمعي عند التركيز مع مختلف الكلمات والعبارات التي تستعمل في الشارع الجزائري.
تقول الباحثة في الأدب الشعبي سعاد فراحتية من جامعة الجزائر، إنّ الذاكرة الشعبية تربط بين الكلمات في اللسان الشعبي الجزائري، فمع مرور الزمن يمكن أن نجد للكلمة الواحدة تفسيرات مختلفة حسب الموضوع وتفسيرات يقدمها الأشخاص للحالات وللمعيشة أيضا.
وتضيف، إنّ الكلمات في اللهجة الجزائرية عموما مترابطة، تلتقي أحيانا وتتقاطع أحيانا بل وأيضا تختلف في المعاني من منطقة لأخرى حدّ التناقض أيضا.
وتشرح: “هناك ارتباط بين الزهور وما تمثله من الفرح والصفاء والتفاؤل، وبين الحظ على اعتباره أحد وجوه الخير في حياة الأفراد”.
تجعل هذه الصدفة السعيدة من “الزهر” جزءا من عادات وطقوس اجتماعية، ترتبط في بعض المدن بموسم تقطير الورود.
وبالإضافة إلى هذا الترابط في اللغة والتصورات الشعبية، يمتد إلى ممارسات اجتماعية متوارثة في علاقتها بمختلف أنواع الأزهار وروائحها.
ويلاحظ أن استعمال هذا المستخلص؛ أي “ماء الورد”، يزداد خلال المناسبات الاجتماعية وأثناء الضيافة واستقبال الزوار.
ومن أبرز هذه الطقوس التقليدية، نجد موسم تقطير الورد الذي ما يزال يحافظ على مكانته داخل البيوت الجزائرية.
تقطير الورود عادة #قسنطينية تعود مع إشراقة كل ربيع.. شاهد الفيديو pic.twitter.com/lo7WannbjX
— أوراس | Awras (@AwrasMedia) May 7, 2023
قبل ذبول الأزهار
تكشف عبارة “عندو الزّهر” علاقة الفرد بفكرة القدر والطبيعة، خاصة عندما تتجسد في عادة موسمية، أو من خلال عراقة أحد الطقوس المرتبط بموسم الربيع وهو “تقطير الورد” وتحويله إلى منتج يستعمل في البيوت على مدار السنة.
وبالرغم من انتشار المصانع المتخصصة في إنتاج ماء الورد، ماتزال الطرق التقليدية حاضرة بقوة في العديد من البيوت الجزائرية.
في فصل الربيع تُعرض الورود التي تستعمل في التقطير في الساحات والأسواق، في مدن مثل البليدة وتلمسان وقسنطينة وعنابة وغيرها، حيث تحافظ بعض العائلات على ميراث هذه الحرفة جيلا بعد جيل، سواء من خلال جمع الورود أو زراعتها خصيصا لاستخراج ماء الورد منها.
واللافت أن هذه الخطوات تبدأ منذ اللحظات الأولى لتفتح الأزهار، حيث يتحول الورد من عنصر طبيعي بسيط إلى مادة تحمل قيمة رمزية واجتماعية.
تمارس هذه العملية بطريقة منظمة، حيث يتم اختيار الأزهار بعناية قبل أن تذبل لأنها تمنح لماء الورد رائحته المميزة، ونجد منها الياسمين والبنفسج والعطرشية والإكليل الجبلي .
وبعد جمع الأزهار بعناية، تنتقل الورود إلى مرحلة التقطير الأكثر أهمية في هذه الرحلة التقليدية.
رحلة الرائحة
من محطة تجميع الورود إلى محطة التقطير تبدأ رحلة التحول، وهي مرحلة تمرّ عبر أداة تقليدية في قلب “القَطَّارْ”.
يتكون من قسمين أساسيين: الجزء السفلي المعروف بـ” الطنجرة” حيث تغلق بإحكام (المحطة الأولى)، حيث توضع الورود، أما الجزء العلوي ويسمى بـ” الكسكاس”، وهو وعاء مثقّب يساعد على مرور البخار، ثم ترفع الحرارة تدريجيا، مع تصاعد البخار ببطء (المحطة الثانية)، محملا بروائح زكية للورود.
ويرتبط “القطّار” بأنبوبين، أحدهما مخصص لاستخلاص ماء الورد، والثاني لتبريد الجهاز بالماء كلما ارتفعت درجة حرارته أثناء الغليان.
كما يحتوي على تجويف داخلي يشبه القبة، تتجمع فيه الأبخرة المتصاعدة (المحطة الثالثة)، قبل أن تعود على شكل قطرات ماء ورد نقي ومركّز (المحطة الرابعة والأخيرة).
وبالرغم من بساطة الأدوات المستعملة، فإن هذه العملية تتطلب الدقة والصبر على جودة الرائحة وتركيزيها.
تقول مليكة (56 سنة) إنها ورثت عملية التقطير من جدتها لأمها، إذ “تتطلب هذه العملية صبرا بالرغم من بساطتها الظاهرة”.
وبعد الانتهاء من عملية التكثيف، “يُجمع الماء بسرعة ويوضع في قارورات زجاجية محكمة الإغلاق للحفاظ على رائحته الطبيعية ونكهته المركزة وتخزينه لفترة طويلة”.
وبمجرد استخلاص ماء الورد، تبدأ مرحلة أخرى داخل تفاصيل الحياة الاجتماعية في البيوت الجزائرية.
رشة من ماء الورد في كل المواسم
أصبحت المادة العطرية، جزء من منظومة اجتماعية ورمزية منذ عقود من الزمن، حيث يدخل ماء الورد كإضافة نكهة لبعض الحلويات التقليدية مثل “المقروط” و”البقلاوة”.
لكن حضوره الأهم يكون في الضيافة والمناسبات المرتبطة بـ” المرشّ”.. كيف ذلك؟
يتحول ماء الورد إلى منتج يوضع في “المرش” وهو إناء يصنع غالبا من النحاس أو الألمنيوم، ويتربع عرش مائدة القهوة أو المعدن المزخرف بأشكال متعددة.
ويستخدم لنثر قطرات ماء الورد في الأيدي أو في المجالس، لتعطير المكان وله دلالة رمزية للترحيب بالضيف الذي يدخل البيت.
ويعتبر “المرش” الامتداد الرمزي للمنتج المستخلص من عملية التقطير، إذ يرافق تقديم القهوة التي تضاف لها قطرات من ماء الورد، وهو ما يعطي لها نكهة خاصة وتضفي عليها خفة عطرية طيبة المذاق.
وهكذا يتحول ماء الورد من منتج تقليدي إلى عنصر يحمل دلالات اجتماعية تتجاوز مجرد الرائحة أو المذاق.
مذاق المجالس
التداخل بين القهوة وماء الورد هو تفصيل بسيط لاستقبال الضيف، وإضفاء معنى على مجالس مائدة القهوة، لكنه في المقابل يعد علامة دالة على الكرم والطمأنينة، خاصة وأن استعماله يمتدّ عبر كل المواسم وعلى مدار السنة.
تمر الأزهار بتحولات مختلفة تبدأ من حدائق البيوت أو في الحقول، ثم تنتقل إلى مرحلة التقطير داخل “القطّار” لتتحول إلى بخار، ومنه إلى قطرات ماء الورد المركز وتجمع في زجاجات.
وتستخدم لاحقا كرذاذ في المجالس واستقبال الضيوف وحين وصول العروس وأهلها إلى بيت زوجها، إلى غاية أن تجد هذه القطرات مستقرا لها في فنجان القهوة.
جعلت هذه المحطات المختلفة؛ من رحلة “الزهر” مسار اجتماعيا ورمزيا دقيقا، يقوم على الصبر والانتظار ثم جمع الأزهر، قبل أن يتحول إلى مادة تنثر عبر “المرش” في تفاعل جميل مع الآخرين.
في السياق ذاته؛ لايزال حضور ماء الورد في الطقوس اليومية لبعض العائلات، بعد أن اكتسب “مرش الزهر” معنى يتجاوز الحظ الفردي ليصبح صورة للمشاركة الطيبة والطمأنينة الجماعية، وهنا يأتي السؤال: هل فعلا الإنسان “ما عندوش الزهر”؟









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين