أطلقت المفوضية الأوروبية تحركات واسعة لإعادة تشكيل مستقبل الطاقة في حوض البحر الأبيض المتوسط عبر مبادرة جديدة تحمل اسم “T-MED”، تهدف إلى تحويل جنوب المتوسط، بما فيه الجزائر، إلى قطب عالمي للطاقة المتجددة، باستثمارات قد تصل إلى 25 مليار يورو في أفق عام 2035، في إطار استراتيجية أوروبية للانتقال نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وحسب ما كشفته صحيفة “ليزيكو” الفرنسية تستند المبادرة، التي تأتي ضمن “الميثاق الجديد من أجل البحر الأبيض المتوسط” الذي أعلن في برشلونة نهاية 2025، إلى رؤية تعتبر جنوب المتوسط خزانا هائلا للطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، مع خطط لدمج دول المنطقة في منظومة طاقوية أورومتوسطية متكاملة تربط الإنتاج الجنوبي بالطلب الأوروبي.
وفي تصريح لافت نقلته وسائل إعلام فرنسية عن مسؤول في المفوضية الأوروبية، اعتبر أن “جزءا من الأراضي الجزائرية يمكنه لوحده تغطية احتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة”، في إشارة إلى الإمكانات الضخمة التي تتمتع بها المنطقة، حيث تتجاوز القدرة التقنية للطاقة المتجددة في شمال إفريقيا 2300 جيجاواط، مع انخفاض في تكاليف الإنتاج مقارنة بأوروبا يصل إلى 30 و40 بالمائة.
ما هي الخطة الأوروبية الجديدة؟
تقوم خطة “T-MED” على إنشاء منصة استثمارية موجهة للقطاع الخاص بداية من 2026، مدعومة بضمانات أوروبية بقيمة 5 مليارات يورو، يتوقع أن تساهم في تعبئة استثمارات إضافية قد تبلغ 25 مليار يورو، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية لتسريع إنجاز المشاريع وتقليص آجال الترخيص التي قد تمتد حاليا بين 24 و48 شهرا.
كما تشمل المبادرة تطوير شبكات كهرباء ذكية وممرات لنقل الطاقة النظيفة بين الضفتين، مع التركيز على مشاريع الهيدروجين الأخضر، من بينها إعادة توظيف أنابيب الغاز القديمة في إطار مشروع “ممر الهيدروجين الجنوبي” الذي يربط الجزائر بأوروبا، بما يعزز اندماجها في سوق الطاقة المستقبلية.
وتراهن المفوضية الأوروبية أيضا على البعد البشري للمشروع عبر برنامج لتكوين نحو 100 ألف عامل في مجالات الطاقات النظيفة، إضافة إلى دفع شراكات صناعية أورومتوسطية جديدة تهدف إلى خلق منظومة متكاملة تجمع الإنتاج والتكنولوجيا وسلاسل التوريد بين أوروبا وجنوب المتوسط.
وتأتي هذه الخطة في سياق أوروبي حساس، يتسم بأزمة طاقة متواصلة واضطرابات جيوسياسية واعتماد متزايد على مصادر خارجية، ما دفع بروكسل إلى البحث عن بدائل استراتيجية أكثر استقرارا واستدامة داخل محيطها الجنوبي.
غير أن الطموح الأوروبي يصطدم بتحديات كبيرة، إذ تشير تقديرات داخلية إلى أن احتياجات الاستثمار الفعلية قد تتراوح بين 75 و120 مليار يورو بحلول 2030، في حين يرى منتقدون أن مبادرة T-MED قد تعيد طرح إشكالية التبعية الطاقوية ولكن من بوابة الجنوب بدل الشرق.
وفي المقابل، تؤكد بروكسل أن فلسفة المشروع تقوم على تنويع مصادر الطاقة وتطوير الإنتاج المحلي في دول الجنوب، بما يضمن استفادة اقتصادية وتقنية مشتركة، بعيدا عن نماذج الاعتماد الأحادي السابقة.
ومن المرتقب أن تنطلق أولى خطوات التنفيذ خلال الأشهر المقبلة، عبر دعوة المستثمرين لتقديم المشاريع قبل منتصف 2026، على أن يعقد أول اجتماع لمنصة الاستثمار في أكتوبر من العام نفسه.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين