يشهد قطاع السياحة في الجزائر، طفرة مميزة وديناميكية لافتة، فما إن تباشر تصفح منصات التواصل الاجتماعي، حتى تقابلك عشرات العروض لمختلف النشاطات والرحلات، التي يشرف في غالب الأحيان على تنشيطها شباب تمكنوا من إعطاء روح جديدة لأماكن كانت بالأمس البعيد تقتصر على استضافة عدد قليل من الزوار.
ولعل ما يشد الاهتمام، هذه السنة، هو تنوع البرامج، فبعد أن كان الأمر في وقت مضى يقتصر على عروض متشابهة، تشهد الصائفة الحالية، تنوعا في البرامج والأماكن والنشاطات.
البحر لم يعد للسباحة فقط
أعطى منظمو الرحلات الصيفية وجهاً جديداً للشواطئ، بمبادرات شبابية مبتكرة وأنشطة ترفيهية متنوعة، لترتفع بفضلها مستويات الأدرينالين، وتتحول الشواطئ من مجرد مساحات للسباحة إلى وجهات نابضة بالحياة.
ويقدم هؤلاء عروضا خاصة بالخروج بالكاياك أو البادل أو حتى رحلات باليخوت، والدراجات المائية، إلى جانب تجربة الغطس.
من جهتها، رفعت ولاية عنابة، سقف المنافسة، أين تُقدم بأحد شواطئها خرجات بالسيارات المائية، لأول مرة في الجزائر.
وتتراوح الأسعار من 1500 دج إلى 20000 دج، على حسب النشاط ومدته، والنقل وغيرها، لتُمنح الفرصة لجميع الفئات للاستفادة من هذه العروض.
شواطئ ومسابح بلمسة عالمية
في الوقت الذي أصبح فيه المواطن الجزائري، زبونا متطلبا، بعد تفتحه على العالم، سواءً من خلال السفر أو من خلال متابعته للعروض التي تقدمها دول الجوار أو دول العالم عبر منصات التواصل، اشتدت المنافسة من أجل تقديم خدمات مميزة تستقطب أكبر عدد من الزوار.
وخصصت الدولة هذه السنة، أزيد من 11 مليار دينار، لتهيئة وتجهيز الشواطئ والواجهات البحرية، ما سمح بفتح 470 شاطئا عبر 14 ولاية من بينها 9 شواطئ جديدة.
ومن بين هذه الشواطئ، شواطئ يسيرها الخواص، ضمن الامتياز السياحي الذي تمنحه الدولة، شرط ألاّ تتجاوز هذه المساحات نسبة 30 بالمائة من المساحة الإجمالية للشاطئ.
وهيّأ الخواص، الشواطئ بلمسة عالمية، سواءً من حيث الديكور أو الخدمات المقدمة، بحيث أصبحت هذه الشواطئ تتوفر على كراسي عادية، وكراسي قابلة للتمدد وحتى الأسرّة المزينة والتي تُلفّ بستار.

وتنافس هذه الشواطئ لما تقدمه من خدمات، على غرار الأكل والأمن والنظافة، الشواطئ العمومية.
وتتراوح الأسعار بين 1500 دج إلى 5000 دج فأكثر، على حسب الخدمات التي يختارها الزبون.
بدورها تنافس المسابح على استقطاب الزبائن، إلا أنها سجلت ارتفاعا لافتا في الأسعار، فحين استفسارنا على الأسعار، على مستوى 3 مسابح، لاحظنا زيادة بـ500 دج مقارنة بالسنة الماضية.
وتتراوح الأسعار من 2000 دج عموما، إلى 12000 دج، في حين قد يرتفع السعر بالنسبة لبعض مسابح الفنادق الفخمة.
ودخلت مسابح المنازل الخاصة، بقوة، المنافسة، إذ يفضل بعض الزبائن الاستفادة من مسبح خاص تجتمع فيه العائلة أو الأصدقاء ليوم واحد.
وتواصلت منصة “أوراس” مع 5 صفحات تقدم هذه الخدمة، ليؤكدوا لنا، أنه تم حجز جميع التواريخ إلى غاية شهر سبتمبر، ما يدلّ على الإقبال الكبير لهذا النوع من الخدمات.
وتختلف الأسعار، وفقا للمسبح، لتصل إلى حوالي 30000 دج لستة إلى ثمانية أشخاص.
5 أيام في ولايات ساحلية
تواصل وكالات السياحة والأسفار، تقديم عروضها لقضاء عطلة من 5 أيام و4 ليالٍ في مختلف الولايات، لتشمل بعض العروض 3 ولايات في رحلة واحدة، على غرار رحلة وهران وعين تيموشنت ومستغانم، أو سكيكدة وعنابة، وغيرها.
وتختلف الأسعار حسب الولاية، إلا أن البرامج غالبا ما تكون متشابهة، وتشمل النقل والإقامة في فندق أمام البحر إضافة إلى رحلات يومية طيلة فترة الرحلة.

ولعل أبرز الولايات التي تستقطب هذا النوع من الرحلات هي جيجل، وسكيكدة، والقل، ووهران، وعين تيموشنت وتلمسان والقالة.
وأكد زكرياء جيلالي عياد، مدير وكالة “الأولى” للسياحة والسفر، في اتصال مع “أوراس”، تسجيل إقبال على الرحلات الداخلية، والسياحة المحلية، من الحسن للأحسن في السنوات الأخيرة.
ولفت محدثنا إلى أن عدة وجهات محلية أصبحت مطلوبة بكثرة مثل سكيكدة والقالة و وهران.
وكشف جيلالي عياد، أن وكالته تستقبل أزيد من 2000 زبون خلال الصائفة، وتوفر لهم رحلات مختلفة إلى عدة ولايات.
ولعل هذ الرحلات تعتبر متنفسا، للعائلات متوسطة الدخل التي لا تستطيع السفر إلى الخارج لقضاء عطلتها.
منازل وشاليهات للعطل الأطول
بالنسبة للمواطنين الذين يرغبون في رحلات أطول، ولا يفضلون الفنادق التي لا تزال تسجل ارتفاعا ملحوظا في الأسعار، تبرز المنازل والشاليهات القريبة من البحر كخيار مثالي.
وهنا تظهر مؤشرات الاستثمار في القطاع السياحي، بحيث تتوفر بعض الولايات الساحلية على إقامات كاملة تستقبل الراغبين في قضاء عطلة تتجاوز الـ5 أيام في مرافق عصرية تتوفر على غرف مكيفة ومسابح خاصة أحيانا وباربيكيو وشرف مطلة على البحر.
وقالت ريهام، التي تختار كراء منزل صيفي كل سنة، بولاية بجاية، رفقة شقيقتها لقضاء أسبوع، بعيدا عن ضوضاء المدينة، إن الأسعار مغرية مقارنة بقضاء أسبوع في تونس.
وأشارت ريهام التي تستعد إلى توضيب حقيبة السفر خاصتها، إلى أن سعر بيت عصري في ولاية بجاية قريب من البحر لا يتجاوز نصف سعر رحلة إلى تونس في الحافلة.
المنزل قريب من البحر وواسع، وبجاية قريبة من الجزائر العاصمة، بحيث أستطيع الهروب من ضغط العمل، دون التفكير في مشقة السفر.. إلا أن توفر المنازل أصبح محدودا، إذ أن الحجز انتهى حتى قبل أن بداية موسم الاصطياف”
الأنشطة الجبلية والرياضات.. وجه آخر للسياحة
لم يعد التنوع في القطاع السياحي الجزائري مرتبطًا بالصيف فقط، بل جاء نتيجة تطور تدريجي ساهم فيه الشباب عبر تنظيم نشاطات رياضية وترفيهية على مدار السنة.
ويقول منير عيساتي، وهو بلوغر، يشارك مغامراته على منصة “انستغرام” في حديثه إلى منصة “أوراس”، إنه لمس تطورا ملحوظا لا سيما فيما يتعلق بالركض، والماراثونات، التي على حد قوله باتت تلقى اهتماما أوسع في الجزائر.
واستدل عيساتي، بسباق الترايل الحضري الذي احتضنته العاصمة، مؤكدا أن عدد المشاركين بلغ السنة الماضية 4000 شخصا، مقابل 10.000 مشاركا هذه السنة.
كما أكد محدثنا، تسجيل اهتمام متزايد بالهايكينغ والمشي الجبلي (randonnée)، مشيرا إلى أن هذا الاهتمام يكرسه تنظيم وكالات الأسفار لخرجات أسبوعية إلى وجهات مختلفة.
عودة ثقافة العطلة
أمام هذا الزخم والخيارات المتنوعة، يتجلى بوضوح تحول عميق في سلوك المواطن الجزائري، الذي بات يُعيد إحياء “ثقافة العطلة” كجزء أساسي من نمط حياته السنوي، ولم تعد مجرد ترف عابر.
فبعد سنوات طغى فيها هاجس السفر إلى الخارج أو الاكتفاء بالاستجمام التقليدي البسيط، أصبحت العائلات والشباب الجزائريون اليوم يخططون لمواسم الاصطياف مسبقاً، ويخصصون لها ميزانيات مدروسة للاستمتاع بالمنتج السياحي المحلي.
هذا الإقبال القياسي والحجوزات المبكرة التي تغلق قبل بداية الصيف بأسابيع، تعكس وعياً متزايداً بأهمية الترويح عن النفس والاستثمار في جودة الحياة والصحة النفسية، لتجد العائلات في عروض الشباب والوكالات المحلية بديلاً حقيقياً يلبي تطلعاتها، مما يؤكد أن السياحة الداخلية في الجزائر لم تعد خياراً اضطرارياً، بل ثقافة راسخة ووجهة مفضلة تُنافس بقوة وتعد بمستقبل واعد للقطاع.
ورغم ذلك لا تزال الجزائر خارج المنافسة العالمية، إذ تعجز عن جذب السياح الأجانب، لا سيما مقارنة بما تزخر به من مناظر طبيعية وشواطئ مميزة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين