حين نقوم بمقاربة مقارنة للجانب الاحصائي للقوائم الانتخابية، ما بين الانتخابات التشريعية لسنة 2021 وسنة 2026، حتما سنلاحظ عدة تغيرات، لم تأت من العدم، منها ما يمت بالصلة لتعديلات قانونية، سيكون لها حتما أثر على المشهد السياسي في المستقبل، ومنها ما يتعلق بالجو الاجتماعي العام.

لقد كان عدد القوائم الانتخابية أثناء الانتخابات التشريعية لسنة 2021 حوالي 2288 قائمة، منها 1080 قائمة حزبية، و1280 قائمة حرة، بينما انخفض عدد القوائم لتشريعيات 2026 إلى 793 قائمة، منها 661 قائمة حزبية و132 قائمة حرة، وبالتالي عدد المترشحون ينتقل من 22553 إلى 9854 مترشح، أي انخفاض بنسبة 55%.

يمكن إيعاز هذا التغير الملفت للنظر إلى عدة عوامل قانونية واجتماعية وسياسية أيضا.

إن تعديل القانون العضوي لتنظيم الانتخابات دور مؤكد في ظاهرة انخفاض عدد المترشحين والقوائم الانتخابية، إذ أكد المشرع أن التغييرات التي طرأت على الإطار القانوني إنما تهدف إلى أخلقة الحياة السياسية وتحييد المال الفاسد في العمل السياسي، رغم أن هذه التغييرات أيضا أفضت إلى حملة من التصفية الإدارية، تطبيقا للمادة 200 من القانون العضوي لتنظيم الانتخابات، من المؤكد أنه كان لها دور في انخفاض عدد القوائم الانتخابية وكذا عدد المترشحون.

إن التشديد في دراسة ملفات الترشح وتزايد عدد القوائم التي تم رفضها، بالإضافة إلى عدد الأشخاص الذين تم التحفظ على ترشحهم، قد يفضي إلى عزوف من نوع جديد، ليس هو العزوف الانتخابي الذي عهدناه، ولكن عزوف فئات مختلفة للترشح، كي لا تكون موضع شبهة في حالة رفض ملفاتها، وقد شهدنا هذا الأمر أثناء دراسة ملفات الترشح في الأيام القليلة الماضية، تُفسر هذه الإجراءات جزءًا من التراجع: عدد أقل من الأحزاب القادرة على البقاء وتزايد الرفض ووجود رادع للمرشحين المحتملين.

إن تقهقر عدد القوائم الحرة أمر ملفت، لأن عددها أثناء الانتخابات التشريعية لسنة 2021، تعدت عدد القوائم الحزبية بمئتي قائمة (1202 قائمة)، مما أفضى إلى كون الأحرار ثاني كتلة نيابية في البرلمان، بعد كتلة حزب جبهة التحرير الوطني.

من الأسباب اجتماعية، تزايد أزمة ثقة وامتناع مزمن عن التصويت، رغم أن الحراك الشعبي لسنة 2019 قد استطاع نوعا ما ترميم هذه الثقة، بكونه نقطة تحول من خلال التعبير عن رفض واسع النطاق للنظام القديم (بوتفليقة والعصابة) والمطالبة بالتغيير الديمقراطي.

قد ينظر العديد من الجزائريين إلى الانتخابات على أنها مجرد إجراءات شكلية لا قيمة حقيقية لها، وإلى البرلمان على أنه ذو صلاحيات محدودة.

هذا الأمر يُثبط الترشح رغم أن البرلمان مؤسسة دستورية نيابية، تجسد الإرادة الشعبية من خلال نواب الشعب.

إن ظاهرة الترحال السياسي زاد من حدة فقدان الثقة في المنتخبين والمؤسسات، لما لسلوكهم من نزع المصداقية للممارسة السياسية والتمثيل النيابي.