منذ بدء الحرب الإيرانية، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات كثيرة، يشيد فيها بالقوة الأمريكية تارة، ويهون مما حققته إيران تارة أخرى، ويطلق تكهنات خيالية وعبارات متناقضة كثيرة، نستطيع أن نسوق أمثلة كثيرة ومتعددة في هذا الصدد، والتي تشير إلى التناقضات التي تشوب تصريحاته، منها:
مدة النزاع ووضعه: تذبذب ترامب بين الادعاء بأن الحرب “مكتملة تمامًا”، و”انتهت فعليًا”، و”تم الانتصار فيها بالفعل”، أو “ستنتهي قريبًا جدًا”، بينما كان في الوقت نفسه يحذر من استمرار العمليات، وأن المهمة يجب “إنهاؤها”، أو يهدد بتصعيدات كبيرة (مثل ضرب إيران و إرجاعها إلى “العصر الحجري”) أو “يمكننا محو إيران من الوجود في ليلة”.
وتحدث عن نزاع سيستمر من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، أو من أربعة إلى خمسة أسابيع، أو أنه “نزاع طفيف”، بينما كان يصرح أحيانًا بعكس ذلك بعد فترة وجيزة.
هناك تناقض أيضا فيما يتعلق بأهداف الحرب، أين كان الحديث في البداية عن تغيير النظام، والمفاوضات، والبرنامج النووي الإيراني الذي زعم أحيانًا أنه “دُمر”، وأحيانًا أخرى أنه لا يزال يشكل تهديدًا)، وفتح مضيق هرمز، أو حتى الاتفاقيات التي زُعم إبرامها ثم إنكارها أو تعديلها.
على سبيل المثال، ادعى أن إيران وافقت على التخلي عن أسلحتها النووية أو تسليم اليورانيوم المخصب، قبل أن يتراجع أو يشدد موقفه و”مستقبل عظيم لإيران” من جهة، وتهديدات كارثية أين يصرح “ستفنى حضارة بأكملها”، وتصعيدات من جهة أخرى.
و قد أدت هذه التحولات إلى ارتباك، حتى داخل إدارته نفسها، مما استدعى أحيانًا لتوضيحات، فقد وثّقت مصادر مثل صحيفة واشنطن بوست، ونيويورك تايمز، وبي بي سي، وتايم، والغارديان، وغيرها، هذه التناقضات منذ الأسابيع الأولى للصراع.
وكان ترامب يرد أحيانًا على الانتقادات بالقول: “يمكنك قول كلا الأمرين” أو أنه غيّر رأيه بسرعة.
ويتماشى هذا مع أسلوبه الخطابي المعتاد (المبالغة، وأساليب الضغط، والتواصل المباشر والمتغير)، لكن في سياق حرب قائمة (مع تأثيرات على أسعار النفط، ومضيق هرمز، وهشاشة وقف إطلاق النار)، فإنه يُضخّم الانتقادات الموجهة إلى وضوحه الاستراتيجي.
لا يزال الصراع معقدًا ومتطورًا (وقف إطلاق نار هش، وتوترات مستمرة مع إيران وحزب الله، إلخ، حتى الآن).
قد تعكس التناقضات الملحوظة تكتيكًا تفاوضيًا، أو تكيفًا مع الوضع على أرض الواقع، أو ببساطة أسلوب ترامب في التواصل.
ترامب بين فن الصفقات و الارتباك السياسي
لطالما اعتمد ترامب خطابًا متطرفًا ومتقلبًا وغير متوقع للحفاظ على زمام المبادرة، وزعزعة استقرار الخصم، وحشد قاعدته الشعبية، و يتراوح خطابه بين الضغط والمفاوضات، أين يعلن الانتصارات (“انتهى الأمر”، “انتصرنا”، “تحقيق الأهداف”) ويطلق التهديدات الشديدة (“العودة إلى العصر الحجري”، التصعيد). يهدف هذا إلى إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إظهار قوة ثابتة. وقد دأب على هذا النهج لسنوات في قضايا التجارة وكوريا الشمالية وغيرها.
و بذلك يعطي دونالد ترمب نوع من المرونة التكتيكية لمواقفه، خاصة بالنظر لإدارة الرأي العام في صراع مكلف (أسعار النفط، اضطرابات مضيق هرمز، خسائر)، فهو يُقلل من شأن الأمر من جهة (“عملية عسكرية”، “ستنتهي قريبًا”)، ويُضخّمه من جهة أخرى لتبرير أفعاله. هذا يسمح له بتكييف الخطاب مع التطورات على أرض الواقع دون الاعتراف بأي أخطاء.
مع ذلك، ينبع جزء من ذلك أيضًا من ارتجال حقيقي في مواجهة حرب أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. لقد اعترف دونالد ترامب في عدة لقاءات إعلامية عن توريطه في هذه الحرب، بزجه لأسماء المقربين إليه، مثل كاتب الدولة للخارجية ماركو روبيو، و وزير الحرب بيت هيغسيت، بالإضافة إلى معاونيه في البيت الأبيض، ناهيك عن تسريبات صحيفة واشنطن بوست التي نقلت الاجتماع الذي جمع ترامب بمجرم الحرب الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أين قام هذا الأخير بعرض خطة متكاملة لإسقاط النظام الإيراني في أكثر من خمسين دقيقة، وحسب التسريبات فقد عارض تلك الخطة عسكريون من البنتاغون، و أيده وزير الحرب، فيما امتنع نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس عن إبداء رأيه، و لكنه أكد دعمه المطلق للرئيس ترامب في أي قرار قد يتخذه.
لم تُسفر الحملة العسكرية “الغضب الملحمي” (Epic Fury) عن تغيير سريع للنظام أو الاستسلام الكامل المأمول.
وقاومت إيران، وأغلقت مضيق هرمز بشكل متقطع، والمفاوضات تُثبت صعوبتها، وحققت نوعا ما تفوقا عسكريا في الميدان أبهر الخصوم، وجعلت الولايات المتحدة الأمريكية تعيد النظر في استراتيجياتها العسكرية ومناوراتها في الميدان.
ترامب و جماعات الضغط
كان دور “إسرائيل” (نتنياهو) والجماعات التابعة لها بارزًا للغاية: من خلال ممارسة ضغوط مكثفة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول البرنامج النووي الإيراني، والتنسيق الاستراتيجي لشن ضربات حاسمة.
وقد عززت شخصيات مثل ماركو روبيو (Marco Rubio)، ومانحون نافذون يدفعون نحو هذا التوجه أيضا ، و على رأسهم مريام أدلسون (Miriam Adelson) و التي ساهمت بأموال طائلة لدعم ترامب، وهذا جزء من نمط أوسع في واشنطن: فالمركب الصناعي-العسكري و أطياف الحزب الجمهوري غالبًا ما تدفع في هذا الاتجاه، حتى في ظل رئاسة تتبنى شعار “أمريكا أولًا” (America First). اختار ترامب، الذي يرى نفسه صانع صفقات براغماتي (Art of Deal)، الخيار العسكري في نهاية المطاف “لحل مشكلة إيران” بدلاً من الالتزام التام بوعوده الانتخابية.
قد يكون ترامب مخطئا باتباع نمط تفاوضي تجاري لحسم قضايا ديبلوماسية معقدة ومتشابكة، ناهيك عن المفارقة العجيبة بين دوافع أمريكا في الحرب إلى جانب دوافع إيران، فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى السيطرة على مجال حيوي بتثبيت هيمنتها على المنطقة من خلال ترويض إيران على المدى البعيد، استعدادا لمواجهتها للصين، و لكن بالنسبة لإيران فهي قضية وجودية، وجودية النظام و سيرورة الدولة برمتها، و لذلك فلا شيء تخسره بعد الآن، و يبدو أن إيران مستعدة للكثير من السناريوهات المحتملة.
لقد أكدت لنا تجربة ترامب في الحكم أنه لا يجيد فقه التسويات، بحيث أنه و أمام ضغوطات جماعات الصغط والنخب الصقورية (Hawkish Groups) سواء على مستوى المؤسسات السيادية مثل البنتاغون أو الكونغرس، أو على مستوى النخب المفكرة من معاهد سبر الآراء و مؤسسات التفكير (Think Tanks)، مثل مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية اليمينية (Foundation for Defense of Democracies- FDD)، و لم يكن قادرا على التوصل إلى حلول وسط، فعمليات التطهير في البنتاغون وتفضيل الولاء على الخبرة أدت إلى تقليص الأصوات المعارضة، وكذلك القدرة على صياغة موقف موحد مع الضباط العسكريين المحترفين.
داخل الحزب الجمهوري، وحتى داخل قاعدته الشعبية (تاكر كارلسون، إم تي جي، إلخ)، تظهر انتقادات بشأن التخلي عن مبدأ “أمريكا أولاً”.
كل هذه المعطيات أثرت بشكل كبير على وتيرة المفاوضات مع إيران و التي يمكن وصفها بالفوضوية، إذ تتأرجح بين التهديدات القصوى والإعلان عن اتفاقيات وشيكة، دون أي حلول وسط واضحة ومستقرة.
بالإضافة إلى تمرس المفاوض الإيراني، و الذي على ما يبدو فهم قواعد اللعبة على طاولة المفاوضات، وفقه السيكولوجيا الأمريكية في مناورات جد معقدة تربك في أحيان كثيرة المفاوض الأمريكي، بشهادة نائبة كاتب الدولة الامريكية للخارجية السابقة وندي شيرمان (Wendy Sherman)، في كتابها “ليس للقلوب الصعيفة؛ دروس في الشجاعة و القوة و المثابرة” (Not for the faint of heart; Lessons in courage, power and persistence)، أين تتحدث عن ذكاء و قوة المفاوض الإيراني.
النتيجة: حرب طويلة الأمد (تجاوزت مئة يوم في يونيو 2026)، وتكاليف اقتصادية باهظة (النفط)، وخسائر أمريكية، ومخاطر كبيرة على انتخابات التجديد النصفي (MidTerms elections).
ويواجه ترامب صعوبة في ترسيخ موقف متماسك لأنه يرفض التسويات المؤسسية أو التوافقية بين الحزبين، الديموقراطي و الجمهوري.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين