ليست المذابح أحداثًا تنتهي بانتهاء إطلاق النّار، ولا تتوقّف آثارها عند آخر طلقة أو آخر قبر؛ بعض الجرائم يمتدّ عمرها بقدر ما يمتدّ انتظار الأمّهات، وبقدر ما تبقى العظام موزّعة بين المقابر، وبقدر ما يظلّ العالم عاجزًا أو غير راغب في إنصاف الضّحايا، وسربرنيتسا واحدة من تلك الجرائم التي لم تنتهِ في جويلية 1995، بل ما زالت تتكرّر بأشكال مختلفة، بعد أكثر من ثلاثة عقود على وقوعها.
في الذّكرى السنوية للمجزرة، لا يعود السّؤال: ماذا حدث؟ فالحقيقة موثّقة، والمحاكم الدّولية وصفت ما جرى بأنّه إبادة جماعية، وأدانت عددًا من كبار المسؤولين العسكريين والسّياسيين الصرب؛ السّؤال الحقيقي هو: لماذا ما زال الألم حيًّا، ولماذا تبدو العدالة، رغم أحكامها، عاجزة عن تضميد الجرح؟
أكثر من ثلاثة آلاف أسرة في البوسنة والهرسك ما زالت تنتظر اكتمال قصّة أحبّائها، أمّ لا تعرف أين دفن ابنها، وزوجة لا تزال تبحث عن زوجها، وأبناء كبروا على أمل العثور على بقايا آبائهم، في أماكن كثيرة من العالم، يعني العثور على الجثمان نهاية رحلة الألم وبداية طقوس الوداع؛ أمّا في البوسنة، فقد تحوّل العثور على الجثمان نفسه إلى معركة طويلة مع الزّمن.
لم يكتفِ مرتكبو المجزرة بقتل الضّحايا، بل سعوا إلى محو آثار الجريمة، وبعد انتهاء الحرب، نُبشت المقابر الجماعية الأولى، ونُقلت الرّفات إلى مقابر أخرى متفرّقة، في محاولة لإخفاء الأدلّة وتعقيد عمليات التعرّف على الضحايا، كانت خطّة باردة، لا تستهدف الجثامين وحدها، بل تستهدف ذاكرة العائلات وحقّها في معرفة مصير أحبّائها، وقد عُثر، بفضل تحاليل الحمض النّووي، على رفات بعض الضّحايا موزّعة بين عدد كبير من المقابر، في مشهد يلخّص قسوة الجريمة حتّى بعد انتهاء القتل.
لهذا لا تبدو المجزرة حدثًا من الماضي؛ إنّها مأساة مستمرّة، لأنّ الألم لا يتوقّف ما دام الانتظار قائمًا، وما دام هناك من يدفن أحبّته على دفعات، كلّما عُثر على جزء جديد من الرّفات.

ولعلّ ما يزيد هذا الجرح عمقًا أنّ سربرنيتسا لم تكن مدينة سقطت في معركة عسكرية، بل كانت منطقة أعلنتها الأمم المتّحدة (منطقة آمنة)، كان آلاف المدنيين يعتقدون أنّهم احتموا براية المجتمع الدّولي، لكن تلك الرّاية لم تمنع وقوع واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثّانية، بقي هذا الإخفاق وصمة أخلاقية وسياسية في تاريخ النّظام الدّولي، ودليلًا على أنّ الوعود الدّولية لا تكفي إذا لم تسندها إرادة حقيقية للحماية.
غير أنّ الخذلان لم يتوقّف عند حدود عام 1995، ففي السّنوات اللاّحقة، واجهت ذاكرة الضّحايا تحديًا آخر، تمثّل في محاولات إنكار الإبادة أو التّقليل من شأنها أو إعادة تقديم بعض المسؤولين عنها في صورة الأبطال القوميين، وحين يُكافأ أشخاص اشتهروا بتبرير الجرائم أو الدّفاع عن مرتكبيها أو إنكارها، فإنّ الرّسالة التي تصل إلى الضّحايا ليست ثقافية ولا أدبية، بل أخلاقية وسياسيّة؛ رسالة توحي بأنّ الذّاكرة قابلة للمساومة، وأنّ معاناة الضّحايا قد تصبح هامشًا في حسابات أخرى.
إنّ أخطر ما تواجهه البوسنة اليوم ليس فقط بقاء الجراح مفتوحة، وإنّما استمرار الخطابات القومية المتطرّفة التي غذّت الحرب في التّسعينيات؛ فما تزال أصوات سياسية في البوسنة والهرسك، ولا سيما داخل جمهورية صرب البوسنة، تتبنّى خطابًا انفصاليًا، وتقلّل من شأن الإبادة، وتستخدم اللّغة ذاتها التي سبقت الحرب، بما يثير قلقًا مشروعًا لدى كثير من البوسنيين، ويذكّر بأنّ السّلام لا يُقاس فقط بغياب الرّصاص، بل أيضًا بحضور العدالة واحترام الحقيقة.

إنّ التّاريخ يعلّمنا أنّ الجرائم الكبرى لا تتكرّر فقط بسبب الكراهية، وإنّما بسبب الإفلات من المحاسبة، وبسبب الاعتياد على خطاب الإنكار، فحين تصبح الحقيقة موضع مساومة، يصبح المستقبل نفسه عرضة للخطر.
ولذلك فإنّ إحياء ذكرى سربرنيتسا لا ينبغي أن يكون مجرّد مناسبة للعزاء أو استحضار صور المأساة، بل فرصة لتجديد الالتزام بجملة من المبادئ التي لا تستقيم العدالة من دونها: أوّلها، استمرار البحث عن جميع المفقودين حتى تتمكّن كل أسرة من دفن أحبائها بكرامة.
وثانيها، حماية الحقيقة التّاريخية من محاولات الإنكار والتزييف، لأنّ إنكار الإبادة امتداد رمزي لها.
وثالثها، دعم مؤسّسات الدّولة البوسنية بما يحفظ استقرارها ويمنع أي مشاريع تهدد وحدتها أو تعيد إنتاج أسباب الصراع. ورابعها، ترسيخ ثقافة المساءلة، بحيث لا تتحول الجرائم الجماعية إلى مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل تبقى دروسًا حية في مسؤولية المجتمع الدولي عن منع تكرارها.
لقد دفعت البوسنة ثمنًا باهظًا عندما تُركت وحيدة في مواجهة آلة الحرب، ولا يجوز أن تدفع اليوم ثمن النّسيان أيضًا؛ فالشّعوب التي فقدت أبناءها لا تطلب المستحيل؛ إنّها تطلب الحقيقة، والعدالة، والاعتراف، وضمان ألّا يتكرّر ما حدث مرّة أخرى.

ربما لا تستطيع العدالة أن تعيد طفلًا إلى أمّه، ولا زوجًا إلى زوجته، ولا أبًا إلى أبنائه؛ لكنّها تستطيع أن تمنح الضّحايا حقهم في الذاّكرة، وأن تمنع الجريمة من أن تنتصر بعد وقوعها، أمّا حين يتساوى الضّحية والجلّاد في الرّواية، أو يُترك الإنكار يتمدّد بلا مواجهة، فإنّ المجزرة لا تبقى حبيسة الماضي، بل تستمر في الحاضر، وتلقي بظلّها على المستقبل.
وسربرنيتسا، بعد كلّ هذه السّنين، لا تطلب من العالم أن يبكيها كل جويلية، بل أن يتعلّم منها كلّ يوم؛ لأنّ الوفاء الحقيقي للضّحايا لا يكون بإحياء الذّكرى وحدها، وإنّما بحماية الحقيقة، وصون العدالة، والوقوف بحزم في وجه كلّ خطاب يعيد إنتاج الكراهية أو يبرّر الإبادة أو يمهّد الطّريق لتكرارها.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين