كشف تحقيق صحفي دولي واسع النطاق معطيات جديدة تتعلق باستخدام أجهزة الاستخبارات المغربية لبرنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” (Pegasus)، في عمليات مراقبة استهدفت صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومسؤولين سياسيين وأمنيين داخل المغرب وخارجه، من بينهم أعضاء في الحكومة الإسبانية وشخصيات فرنسية بارزة.

ويستند التحقيق، الذي قادته صحيفة The Guardian البريطانية بالتعاون مع Le Monde الفرنسية وHaaretz الإسرائيلية ووسائل إعلام دولية أخرى، إلى شهادات مُبلغ سابق من داخل جهاز الاستخبارات المغربية، إلى جانب وثائق مسربة وتحليلات تقنية أجرتها منظمة العفو الدولية.

مُبلغ سابق يكشف بداية استخدام “بيغاسوس”

بحسب التحقيق، فإن جهاز المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) بدأ استخدام برنامج “بيغاسوس” سنة 2017، عقب عرض تقني نُظّم في العاصمة الرباط لفائدة مسؤولين مغاربة وخبراء أمنيين بحضور ممثلين عن شركة NSO Group الإسرائيلية المطورة للبرنامج.

وأوضح المصدر، الذي عمل داخل الجهاز الأمني لما يقارب عشر سنوات واستخدم الاسم المستعار “سفير” (Safir)، أن المسؤولين المغاربة أدركوا منذ العرض الأول الإمكانات “الثورية” للبرنامج، لكونه يسمح باختراق الهواتف الذكية عن بعد دون الحاجة إلى الوصول إليها فعليًا، مع إمكانية الاطلاع على الرسائل الإلكترونية والمحادثات والصور والملفات، إضافة إلى تشغيل الكاميرا والميكروفون عن بعد.

وأشار إلى أن البرنامج كان يُستخدم فقط ضد ما وصفها بـ”الأهداف عالية القيمة”، بعد استنفاد وسائل المراقبة التقليدية، مضيفًا: “لم نكن نبدأ ببيغاسوس.. إنه سلاح الوحش.”

استهداف مسؤولين إسبان وفرنسيين

ووفق التحقيق، أظهرت قاعدة بيانات مشروع “بيغاسوس” اختيار أكثر من 200 رقم هاتف إسباني للمراقبة من قبل الجهة التي يُعتقد أنها المغرب.

ومن بين أبرز الأهداف، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ووزيرة الدفاع السابقة مارغريتا روبليس، ووزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، إضافة إلى وزراء آخرين وصحفيين وناشطين حقوقيين.

وأشار التحقيق إلى أن عمليات الاستهداف تزامنت مع الأزمة الدبلوماسية الحادة التي اندلعت بين مدريد والرباط سنة 2021، إثر استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، وما تبع ذلك من توتر سياسي بين البلدين.

كما خلصت التحليلات التقنية إلى أن الحساب الإلكتروني نفسه الذي استُخدم لاستهداف مسؤولين فرنسيين استُخدم أيضًا في استهداف مسؤولين إسبان، وهو ما اعتبره فريق التحقيق مؤشرًا إضافيًا على ارتباط العمليات بجهاز الاستخبارات المغربي.

صحفيون ونشطاء ضمن قائمة المستهدفين

امتدت عمليات التجسس، بحسب التحقيق، إلى عدد من الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، من بينهم الناشطة الصحراوية أميناتو حيدر، والصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو المتخصص في شؤون المغرب العربي.

كما كشف التحقيق أن عمليات الاستهداف بدأت منذ سبتمبر 2017، قبل أن تتوسع تدريجيًا لتشمل أهدافًا داخل المغرب وخارجه، اعتمادًا على بيانات مسربة وشهادات مسؤولين سابقين ووثائق تدريب داخلية.

تعاون دولي وأدلة تقنية

اعتمد التحقيق على تعاون بين 14 مؤسسة إعلامية دولية، بدعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، وشمل تحليل رسائل إلكترونية مسربة وسجلات استهداف ووثائق داخلية وبيانات رقمية، إلى جانب شهادات ثلاثة مسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات المغربية.

كما أشار إلى أن شركة Meta المالكة لتطبيق “واتساب” سبق أن كشفت، خلال دعوى قضائية ضد شركة NSO Group، أسماء رمزية للمستخدمين الحكوميين للبرنامج، حيث ارتبط الاسم الرمزي “Morgan” بالمغرب، وفق ما أكد موظفون سابقون في الشركة الإسرائيلية.

المغرب يواصل النفي

ولفت التحقيق إلى أن السلطات المغربية دأبت، خلال السنوات الماضية، على نفي استخدام برنامج “بيغاسوس” ضد معارضيها أو مسؤولين أجانب، كما نفت وجود أي علاقة لها بشركة NSO Group، معتبرة أن الاتهامات الموجهة إليها تفتقر إلى الأدلة.

وفي المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي جديد من الرباط بشأن المعطيات التي تضمنها التحقيق الدولي الأخير، فيما لم يعثر فريق التحقيق على أدلة تشير إلى استمرار استخدام البرنامج بعد نهاية عام 2021، عقب فرض الولايات المتحدة عقوبات على شركة NSO Group وفرض قيود إسرائيلية على تصدير تقنيات التجسس إلى عدد من الدول.