أمر قاضي التحقيق لدى محكمة بومرداس، اليوم السبت، بإيداع 3 متهمين الحبس المؤقت، بعد استجوابهم في قضية حادث انقلاب الحافلة الذي خلف 28 وفاة و36 جريحًا.
ووجهت الاتهامات لمالك الوكالة السياحية “بربار تور” خادري لياس، ومالك الحافلة يوسفي عبد الرزاق، وشقيقه يوسفي التومي، عن جريمة المشاركة في القتل الخطأ لعدة أشخاص إثر ارتكاب حادث مرور باستعمال مركبة للنقل الجماعي للأشخاص، والمشاركة في الجروح خطأ إثر حادث مرور باستعمال مركبة للنقل الجماعي للأشخاص.
كما شملت الاتهامات التحرير العمدي لإقرارات وشهادات تثبت وقائع غير صحيحة، طبقًا للمواد 126 و128 و134 و129 و170، فقرة 2، من قانون المرور، والمادة 124 من قانون مكافحة التزوير.
وكشف النائب العام لدى مجلس قضاء بومرداس، شاكر قارة، نتائج التحقيق الابتدائي في الحادث، موضحًا أن الحافلة كانت تسير بسرعة 121.63 كيلومترًا في الساعة عند مدخل المنعرج، في حين كانت السرعة المحددة على الطريق بـ60 كيلومترًا في الساعة.
وأظهرت الخبرة التقنية وجود أعطال سابقة للحادث في منظومة المساعدة لكبح المحرك عن طريق التحريض الكهرومغناطيسي، إذ لم تتجاوز فعاليتها 50%، فيما لم يكشف فحص منظومتي فرملة الخدمة والطوارئ والتوجيه عن عيوب سابقة للحادث.
رحلة انتهت بكارثة
تعود وقائع الحادث إلى يوم 30 جويلية 2026، حوالي الساعة التاسعة وأربعين دقيقة صباحًا، على مستوى الطريق الوطني رقم 24 الرابط بين بلدية بومرداس وبلدية زموري، بالمكان المسمى الكرمة.
وكانت الحافلة قادمة من ولاية سطيف، وبالضبط من مدينة العلمة، في رحلة باتجاه شرق الكرمة ببومرداس، قبل أن تنحرف وتسقط، مخلفة 28 وفاة و36 إصابة بجروح متفاوتة الخطورة.
وكشف التحقيق أن 19 شخصًا غادروا المستشفى إلى غاية اليوم، فيما بقي 17 مصابًا يتلقون العلاج اللازم.
وتوصلت التحقيقات إلى أن الرحلة تم الإشهار لها، إلى جانب رحلات أخرى، عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها الصفحة المسماة «أيوب فوياج».
وأظهرت التحقيقات أن الصفحة كانت توهم الجمهور بأن الرحلة منظمة من قبل وكالة سياحية تملك العديد من الحافلات لجهات مختلفة.
كيف نُظمت الرحلة؟
كان الحجز يتم عن طريق الاتصال الشخصي بالأرقام الهاتفية المدونة على الصفحة، مع تحديد مكان تواجد المسافر ساعة الانطلاق، وغالبًا ما يكون ذلك بالحي الذي يقطن به بمدينة العلمة.
وكشف التحقيق أن سائق الحافلة كان يمر ابتداءً من الساعة الثالثة صباحًا على الأماكن المتفق عليها لجمع الركاب، بعد دفعهم مبلغ ثمن الرحلة المقدر بـ1400 دينار جزائري.
وبعد جمع الركاب، كان الانطلاق يتم حوالي الساعة الخامسة صباحًا باتجاه بومرداس.
كما أظهر التحقيق أن السائق توجه صباح 30 جويلية 2026 إلى ولاية جيجل في رحلة سياحية، قبل أن يعود إلى مدينة العلمة بعد منتصف الليل، ثم يعاود الانطلاق بعد ساعات باتجاه ولاية بومرداس.
حافلات النقل الجامعي في الرحلات السياحية
بخصوص طريقة استعمال الحافلة وغيرها من الحافلات في تنظيم الرحلات السياحية، توصل التحقيق إلى أن مالكها، المسمى يوسفي عبد الرزاق، كان يستغلها رفقة أخيه يوسفي المكي في إطار تعاقدين في النقل الجامعي طيلة أشهر السنة الجامعية.
وخلال فصل الصيف، كان يتم التنازل عنها صوريًا بموجب عقد بيع إلى الوكالة السياحية المسماة «بربار تور»، لمالكها خادري لياس، غير أنها تبقى في حيازتهما ويستغلانها بصفة وكالة في تنظيم رحلات سياحية.
وكشف التحقيق أن صاحب الوكالة السياحية كان يمكن صاحب الحافلة من نسخة من السجل التجاري ونماذج مختومة على بياض لأوامر بمهمة باسم الوكالة.
وكان صاحب الحافلة يدون على هذه الأوامر هوية السائق والمكان المتجه إليه عند كل رحلة، كما يضع لافتة خارجية على كل حافلة تبين الغرض الاجتماعي على أنها وكالة سياحية «بربار تور».
وبعد انقضاء موسم الاصطياف وبداية السنة الجامعية، يقوم صاحب الوكالة السياحية المتنازل لها عن هذه الحافلات بالتنازل عنها بدوره إلى المالك الأول واستخراج بطاقة تسجيل جديدة باسم هذا الأخير، مقابل مبالغ مالية متفق عليها مسبقًا.
الطريق لم يكن سببًا في الحادث
فيما يتعلق بحالة الطريق ومكان الحادث، أكد التحقيق أن الحافلة سقطت بالطريق الاجتنابي المزدوج الذي يربط الطريق الوطني رقم 24 على مستوى المكان المسمى الكرمة ببلدية بومرداس، على مستوى منحدر بنسبة 7%.
ودخل الطريق حيز الخدمة بتاريخ 28.08.2025، ولم تُعاين به وقت الحادث أي حفر أو تشققات أو زيوت أو رمال أو مياه.
كما سجلت المعاينة وجود حواجز واقية مطابقة للمعايير، إلى جانب إشارة تحديد السرعة بـ60 كيلومترًا في الساعة، وإشارة خطر الانحدار وخطر المنعرج.
وأكدت المعاينات أن الظروف الجوية كانت حسنة والرؤية جيدة بحسب المصدر ذاته.
وسجل المحققون آثار الفرملة المتواصلة لعجلة الجهة اليسرى بطول 14.5 متر، وآثار عجلة الجهة اليمنى بصفة متقطعة بطول 1.6 و4.9 متر.
آثار الانحراف تحدد مسار الحافلة
أظهرت المعاينة آثار انحراف الحافلة إلى الجهة اليسرى للطريق، بدأت من وسط الطريق إلى غاية الفاصل الإسمنتي.
وبعد احتكاك الحافلة بالفاصل الإسمنتي من الجهة العلوية، خرجت إلى الاتجاه المعاكس بطول حوالي 2.50 متر، قبل أن تستقر على جانبها الأيمن أسفل مجرى مائي إسمنتي، على بعد 18.23 متر من الطريق.
وخلال عرض نتائج التحقيق، وضع النائب العام فيديو تمثيليًا لكيفية سقوط الحافلة.
64 مسافرًا على متن حافلة تستوعب 51 راكبًا
أخضعت الحافلة لفحص تقني بعد الحادث، وتبين أنها من علامة «هيغر»، وضعت في السير أول مرة سنة 2011، وتحمل ترقيم 5025-411-19.
وكان محضر الفحص التقني الخاص بها ساري المفعول من 2 أفريل 2022 إلى 2 أكتوبر 2026.
وكشفت الخبرة أن طاقة استيعاب الحافلة هي 51 راكبًا بما فيهم السائق، بينما استوعبت على متنها 64 مسافرًا.
وقدرت سرعة الحافلة قبل بداية آثار الفرملة مباشرة، عند مدخل المنعرج، بـ121.63 كيلومترًا في الساعة.
منظومة الكبح سجلت عطلًا سابقًا
لم يسفر فحص منظومة فرملة الخدمة والطوارئ عن اكتشاف أي عطل سابق للحادث، كما لم يكشف فحص منظومة التوجيه عن أي عيوب سابقة.
في المقابل، أظهر فحص منظومة المساعدة لكبح المحرك عن طريق التحريض الكهرومغناطيسي وجود أعطال سابقة للحادث، إذ لا تتجاوز فعاليتها 50%.
وتعمل منظومة المساعدة لكبح المحرك في المركبات ذات الوزن الثقيل عن طريق تحريض تيرات مغناطيسية تعاكس حركة دوران العمود بالمركبة، مما يمنح السائق قدرة أفضل على التحكم في السرعة، خاصة في المنحدرات الطويلة.
كما تخفف المنظومة الضغط والحرارة على الفرامل التقليدية التي تعمل بالاحتكاك.
وتعذر فحص أحذية الكبح للعجلتين الأماميتين والخلفيتين اليسرى بسبب الأضرار الجسيمة التي تعرضت لها.
الخبرة تستبعد العجلات
أظهر فحص العجلتين الأماميتين اليمنى واليسرى أنهما من علامة «لينغ لونغ»، ويعود تاريخ تصنيعهما إلى الأسبوع 38 من سنة 2024، فيما كان الإطار المطاطي بعد الحادث في حالة حسنة وصالحًا للسير قبل الحادث.
أما العجلتان الخلفيتان الداخلية والخارجية من الجهة اليمنى، فمن علامة «جيناي»، ويعود تاريخ تصنيعهما إلى الأسبوع 32 من سنة 2022.
وكان الإطار المطاطي والمعدني للعجلة الخارجية بعد الحادث في حالة حسنة، بينما تعرض الإطار الخاص بالعجلة الداخلية لأضرار كبيرة جراء الحادث أدت إلى فقدانه للهواء.
أما العجلتان الخلفيتان الداخلية والخارجية من الجهة اليسرى، فمن علامة «سبورتراك»، وصُنعتا خلال الأسبوع الثالث والأربعين من سنة 2021، وقد تعرضتا لأضرار بسبب الحادث أدت إلى فقدانهما للهواء.
وخلصت المعاينة التي أخضعت لها العجلات الستة للحافلة من قبل المديرية الفرعية للهندسة والرقمية لسيارة تابعة للمركز الوطني للأدلة الجنائية للدرك الوطني ببوشاوي، إلى أنها لم تُظهر أي عيوب من شأنها التأثير على ديناميكية وحركة الحافلة، ولا يمكن ربطها بكرو نولوجيا الحادث.
صورة الحافلة تكشف إصلاحًا ارتجاليًا
تطرق النائب العام إلى صورة التقطها أحد الفضوليين لمكان الحادث ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أنها أظهرت وضع ألواح من شرائح مطاطية على رأس ذراع الدفع لمنظومة التعليق الأمامية من الجهة اليمنى واليسرى، وإحكام ربطها بسلك معدني.
وأظهرت الخبرة أن هذا التصرف يمثل نوعًا من التصليح الارتجالي الشائع عند أصحاب الحافلات والشاحنات من الوزن الثقيل، من أجل كتم صوت الطقطقة في ذراع الدفع.
وأكدت الخبرة أن هذا التصرف ليس له تأثير على منظومة التعليق، التي لم يُظهر فحصها أي عيوب.
السائق كان تحت تأثير مواد مخدرة
كشف التحقيق أن سائق المركبة، المسمى ديب أسامة، من مواليد 18 أوت 1993 بالسطيف، توفي في عين المكان.
وبعد نقله إلى المستشفى الجامعي لبومرداس، أُجري تشريح لجثته عن طريق الطبيب الشرعي، مع أخذ عينة بيولوجية، أخضعت للتحليل بدائرة علم السموم والطب الشرعي بالمعهد الوطني للأدلة الجنائية والإجرام، للدرك الوطني.
وخلصت النتائج إلى أنه كان يقود الحافلة تحت تأثير مواد مخدرة ومؤثرات عقلية مختلفة الأصناف، وهو ما كشفته التحاليل على جزء من عينة الدم القلبي.
كما أُجريت خبرة على هاتفه النقال، الذي عُثر فيه على شريحتين لمتعاملين مختلفين.
تسجيلات هاتفية تثير تساؤلات جديدة
كشفت الخبرة على هاتف السائق تسجيلًا صوتيًا لمكالمة هاتفية صادرة مدتها 4 دقائق و12 ثانية، بتاريخ 29 جويلية 2026 على الساعة التاسعة ليلًا و48 دقيقة و28 ثانية.
وتضمنت آخر التسجيل عبارة: «لازم نسعفوها بالفرنات، وخلاص حتى نخدموها نهار السبت».
وربط النائب العام هذه العبارات بالخلل الذي تمت معاينته أثناء الخبرة على الحافلة، والمتعلق بنظام المساعدة الكهرومغناطيسي على الكبح، موضحًا أنه من المرجح جدًا أن تكون هذه العبارات تقصد الخلل الذي اكتشفه الخبراء.
كما عثر المحققون على 3 تسجيلات أخرى صوتية بتاريخ 30 جويلية 2026 لمكالمة هاتفية من رقمين مختلفين، تضمنت العبارات التالية: «خصوني حبات الساروخ، قداه خصك؟ خصوني أربعة، قداه حسبلك؟ 2200 دج».
كما تم العثور على 93 تسجيلًا صوتيًا آخر لمكالمات هاتفية مع أرقام وتواريخ مختلفة، ورد في مضمونها: «ساروخ، قارو، مشطة، غبرة، حلوة».
معطيات التواصل تكشف رحلة جيجل
كما توصل التحقيق، من خلال تحليل محتوى تطبيقات التواصل الاجتماعي بتاريخ 30 جويلية 2026، إلى عبارات من بينها: “أنا راني رايح، راني في جيجل، ديت فوياج كورسا، الكار كبيرة هايغر، على بالك بحرنا ورانا مروحين، وغدوة مولّيين نديرو فوياج أخرى. كما راح نباتوا في الكار، وغدوة الصباح نزيدوا نبكرو ونوليو”.
وكشف التحقيق أن سائق الحافلة لا يجمعه أي عقد عمل مع صاحب الحافلة، كما أنه غير مؤمن اجتماعيًا لديه، بل كان يتم تكليفه من قبل هذا الأخير لقيادة الحافلة مقابل مبلغ مالي متفق عليه.
كما أفادت شهادة أحد الناجين من الحادث بأن السائق كان يستعمل قبل وقوع الحادث تطبيق تحديد المسار والموقع الجغرافي GPS.
ويمكن، حسب التحقيق، أن يُستدل من ذلك على أنه كان يسلك هذا الطريق لأول مرة.
القضية أمام قاضي التحقيق
أكد النائب العام أن هذه العناصر تمثل المعطيات الموضوعية المستخلصة من الإجراءات، دون أي تقييم أو إسناد بالأدلة، والتي ارتأت النيابة العامة لدى مجلس قضاء بومرداس إطلاع الرأي العام بها.
وأوضح أن المعطيات مدونة وموثقة بموجب تقارير الخبرة الفنية ومدعمة بملف القضية، الذي يجوز للأطراف الاطلاع عليه.
وبتاريخ اليوم 8 أوت 2026، أُحيلت القضية على قاضي التحقيق لدى محكمة بومرداس، بموجب طلب إجراء تحقيق صادر عن وكيل الجمهورية، وتم توجيه الاتهام لكل من خادري لياس ويوسفي عبد الرزاق ويوسفي التومي.
وبعد استجواب المتهمين، أصدر قاضي التحقيق أوامر بوضعهم رهن الحبس المؤقت.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين