أثار إعلان رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو انسحابه من العمل السّياسي الحزبي، مع تأكيده أنّ هذه الخطوة لا تعني التخلّي عن السّياسة أو الاستسلام لها، وإنّما تمثّل وضع (مسافة أخلاقية) مع ما وصفه بـ “المناخ السياسي الملوّث”، اهتمامًا واسعًا داخل تركيا وخارجها.
فالحديث هنا لا يتعلّق بخروج سياسي عادي من المشهد، وإنّما بموقف يصدر عن أحد أبرز منظّري السّياسة الخارجية التركية خلال العقدين الماضيين، وصاحب نظرية (العمق الاستراتيجي)، وأحد أهم العقول التي أسهمت في صياغة التحوّلات الكبرى التي شهدتها تركيا خلال سنوات حكم حزب العدالة والتّنمية.
ويكتسب القرار أهميّة استثنائية بالنّظر إلى الخلفية الفكرية والسّياسية لداود أوغلو، الذي انتقل من موقع الأكاديمي والمفكّر إلى دائرة صنع القرار، فتولّى وزارة الخارجية بين عامي 2009 و2014، ثمّ رئاسة الوزراء ورئاسة حزب العدالة والتّنمية بين عامي 2014 و2016، قبل أن يغادر الحزب إثر خلافات متزايدة مع الرّئيس رجب طيب أردوغان حول طبيعة إدارة الدّولة، وتوازن السّلطات، وآليات اتخاذ القرار، وبعد ذلك أسّس حزب المستقبل عام 2019 في محاولة لتقديم بديل محافظ ديمقراطي، إلاّ أنّ الحزب لم يتمكّن من تحقيق اختراق انتخابي يوازي طموحات مؤسّسه.
أولًا- الخلفيات السياسية للقرار:
لا يمكن فهم انسحاب داود أوغلو بمعزل عن التحوّلات التي شهدها النّظام السّياسي التركي خلال العقد الأخير؛ فقد أدّى الانتقال إلى النّظام الرّئاسي بعد استفتاء عام 2017 إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدّولة، مع تركيز غير مسبوق للسّلطة التّنفيذية في مؤسّسة الرّئاسة، وهو ما كان داود أوغلو من أبرز المنتقدين له، معتبرًا أنّ التّجربة التركية ابتعدت عن روح التوازن المؤسّسي التي كانت أحد عناصر نجاحها في بدايات حكم العدالة والتّنمية.
كما جاءت تجربة حزب المستقبل لتكشف صعوبة بناء تيّار سياسي جديد في بيئة تتّسم باستقطاب حاد بين تحالفين كبيرين، أحدهما يقوده حزب العدالة والتّنمية مع الحركة القومية، والآخر تقوده أحزاب المعارضة، وقد حدّ هذا الاستقطاب من قدرة الأحزاب الصّغيرة على توسيع قاعدتها الشّعبية، رغم ما تمتلكه من شخصيات ذات خبرة سياسية وفكريّة.
ومن هنا، يمكن النّظر إلى قرار داود أوغلو باعتباره اعترافًا ضمنيًا بأنّ أدوات التّأثير السّياسي التقليدية لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف التي سعى إليها عبر العمل الحزبي، وأنّ التّأثير الفكري والثّقافي قد يكون أكثر فاعلية من المنافسة الانتخابية في المرحلة الحالية.
ثانيًا- (المسافة الأخلاقية) كمفهوم سياسي:
العبارة التي استخدمها داود أوغلو، وهي “المسافة الأخلاقية”، ليست مجرّد توصيف انفعالي، بل تعكس رؤية فلسفية للسياسة؛ فهو يميّز بين السّياسة بوصفها خدمة عامة قائمة على المبادئ، والسّياسة بوصفها صراعًا على السّلطة تحكمه الحسابات البراغماتية.
ويحمل هذا المفهوم نقدًا ضمنيًا لطبيعة الممارسة السّياسية المعاصرة، ليس في تركيا وحدها، بل في العديد من الدّيمقراطيات التي باتت تشهد تصاعدًا للخطاب الشّعبوي، وتراجعًا لدور الأحزاب الفكرية، وهيمنة الاعتبارات الانتخابية والإعلامية على حساب النّقاشات البرامجية.
وبهذا المعنى، فإنّ “الانسحاب” لا يعني الاعتزال الكامل، بل يمثّل انتقالًا من المجال السّياسي المباشر إلى المجال الفكري والمجتمعي، حيث يرى داود أوغلو أنّ إنتاج الأفكار وتكوين النّخب وصناعة الوعي قد يكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل من المشاركة اليومية في المنافسة الحزبية.
ثالثًا- استمرار المشروع الفكري:
حرص داود أوغلو على التّأكيد أنّه سيواصل العمل في مجالات الفكر والتّعليم والعلوم والدّبلوماسية والاقتصاد والتضامن المجتمعي.
وهذه المجالات ليست منفصلة عن مسيرته السّابقة، بل تمثل امتدادًا لها.
فالرّجل في الأساس أستاذ جامعي ومفكّر في العلاقات الدّولية، واشتهر قبل دخوله السّياسة بكتابه “العمق الاستراتيجي”، الذي قدّم فيه تصوّرًا لدور تركيا بوصفها دولة مركزية تمتلك عمقًا جغرافيًا وتاريخيًا يؤهّلها للقيام بدور إقليمي ودولي فاعل.
ومن المرجّح أن يعود داود أوغلو إلى هذا الدّور الأكاديمي والفكري، سواء عبر مراكز الدّراسات أو الجامعات أو المنتديات الدّولية، بما يسمح له بالمساهمة في النّقاشات المتعلّقة بالنّظام الدّولي، والتحوّلات الجيوسياسية، ومستقبل الشّرق الأوسط، دون القيود التي تفرضها المنافسة الحزبية.
رابعًا- الأهمية السياسية للخطوة:
سياسيًا، تحمل هذه الخطوة أكثر من رسالة:
أولًا: تؤكّد استمرار أزمة الأحزاب المحافظة المنشقّة عن العدالة والتّنمية، والتي لم تنجح حتّى الآن في بناء بديل انتخابي قادر على منافسة الحزب الحاكم، رغم امتلاكها شخصيات ذات خبرة طويلة في إدارة الدّولة.
ثانيًا: تمثّل رسالة نقدية للنّخبة السّياسية التركية، إذ إنّ الحديث عن “المناخ السّياسي الملوّث” يعكس قناعة بأنّ المشكلة ليست في نتائج الانتخابات فقط، وإنّما في طبيعة البيئة السّياسية نفسها، بما تتضمّنه من استقطاب حاد، وتراجع لغة الحوار، وتآكل الثّقة بين الفاعلين السّياسيين.
ثالثًا: قد يفتح القرار الباب أمام مراجعات أوسع داخل التيار المحافظ التركي بشأن العلاقة بين الأخلاق والسّياسة، وحدود البراغماتية، وأهمية إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس أكثر مؤسّسية.
خامسًا- الأهمية الفكرية:
ربما تتجاوز أهمية هذه الخطوة بعدها السّياسي إلى بعدها الفكري.
ففي تاريخ الفكر السياسي، كثيرًا ما لعب المفكّرون الذين غادروا السّلطة أدوارًا أكثر تأثيرًا من أدوارهم أثناء وجودهم فيها، إذ يتيح الابتعاد عن المسؤوليات التّنفيذية مساحة أوسع للتأمّل وإعادة التقييم وإنتاج الأفكار.
وقد يكون داود أوغلو بصدد إعادة صياغة مشروعه الفكري بعيدًا عن ضغوط العمل الحزبي، مستفيدًا من خبرة تجمع بين الأكاديمية والدّبلوماسية وإدارة الدّولة.
كما أنّ تأكيده الاهتمام بالتّعليم والعلوم يعكس إدراكًا بأنّ الإصلاح السّياسي لا ينفصل عن الإصلاح الثّقافي والمعرفي، وأنّ بناء المجتمعات يبدأ من الاستثمار في الإنسان والمؤسّسات التعليمية، وليس فقط من خلال تداول السّلطة.
سادسًا- هل هو انسحاب أم إعادة تموضع؟
رغم استخدام مصطلح “الانسحاب”، فإنّ مضمون تصريحات داود أوغلو يشير إلى إعادة تموضع أكثر منه خروجًا نهائيًا من المجال العام.
فالعديد من الشّخصيات السّياسية العالمية انتقلت من العمل الحزبي إلى التّأثير عبر الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسّسات المدنية، محتفظة بحضورها في النّقاش العام وقدرتها على التّأثير في صناعة الأفكار والسّياسات.
وفي هذا السياق، قد يتحوّل داود أوغلو إلى أحد أبرز الأصوات الفكرية المحافظة في تركيا، مستفيدًا من رصيده الأكاديمي وخبرته التّنفيذية، حتى وإن ابتعد عن المنافسة الانتخابية المباشرة.
الخلاصة:
يمثّل قرار أحمد داود أوغلو الابتعاد عن العمل السياسي الحزبي محطّة جديدة في مسيرة شخصية جمعت بين الفكر والممارسة، وبين الأكاديمية والسّلطة، فالخطوة تعكس، من جهة، صعوبة العمل الحزبي في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، ومن جهة أخرى، تعبّر عن قناعة بأنّ التّأثير الحقيقي لا يقتصر على المناصب الرّسمية، بل يمتدّ إلى إنتاج الأفكار وبناء الوعي وصياغة الرّؤى الاستراتيجية.
ويبقى السّؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التحوّل سيشكّل بداية لمرحلة جديدة في الحياة الفكرية التّركية، يكون فيها داود أوغلو أكثر حضورًا كمفكّر ومؤثّر في النّقاشات العامّة، أم أنّه يمثّل نهاية لدور سياسي كان أحد أبرز عناوين التحوّلات التركية خلال العقدين الأخيرين، وفي كل الأحوال، فإنّ حديثه عن “المسافة الأخلاقية” يفتح نقاشًا أوسع حول العلاقة بين السّياسة والقيم، وحول قدرة النّخب الفكرية على التّأثير من خارج السّلطة، وهي قضية تتجاوز الحالة التركية لتلامس تحدّيات العمل السّياسي في كثير من دول العالم.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين