تكفي صورة واحدة من صور جنازة الشّيخ محمد العيد التجاني لتقول أشياء كثيرة لا تستطيع الكلمات أن تستوفيها.
جموع غفيرة، وتدافع المحبين، وأيدٍ تمتدّ نحو النّعش، ووجوه يعلوها الحزن، ورجال يتشبثون بحقهم في أن يكونوا قريبين من شيخ عاش بينهم وأحبوه وأحبهم. مشهد مهيب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرّد كثافة في الحضور، وإنّما باعتباره سؤالًا عن سرّ هذا الحضور: ماذا صنع الرّجل في النّاس حتى اجتمعوا حول جنازته بهذا الشّكل؟
إنّ جنازة العالم والمربي ليست فقط لحظةً يُوارى فيها الجسد؛ إنّها لحظة تنكشف فيها قيمة السنوات التي عاشها بين الناس.
فقد يستطيع الإنسان أن يملأ مكانًا في الحياة، وأن يشغل منصبًا، وأن يُعرف باسمه ولقبه، ثم إذا غاب لم يشعر الناس إلا بغياب الوظيفة التي كان يؤديها، لكن بعض الرّجال إذا غابوا شعر الناس أنهم فقدوا جزءًا من المشهد الذي اعتادوا عليه، وصوتًا كانوا يرجعون إليه، ووجهًا ألفوه في مواطن النصح والتوجيه والإصلاح.
وهذه الصورة، بما تحمله من ازدحام ومحبة وانفعال، تجعلنا نتوقف طويلًا أمام معنى بالغ الأهمية: النّاس لا تخرج بهذا الحجم خلف الألقاب، وإنما خلف الأثر.
لقد كان الشّيخ محمد العيد التجاني، طوال سنوات مشيخته ودعوته، جزءًا من حياة النّاس الدينية والاجتماعية والتربوية، ولذلك جاء الوداع كبيرًا؛ لأنّ العلاقة بين الرّجل والنّاس لم تبدأ عند موته، وإنما بُنيت على مدى عقود من الحضور والنّصيحة والتّعليم والإرشاد.
وفي المشهد أيضًا درس آخر لا يقلّ أهمية: أنّ الموت يكشف لنا قيمة ما كنا نملكه ونحن لا نشعر.
كم من شيخ، وعالم، ومربٍّ، وناصح، اعتدنا وجوده حتى حسبنا أنّ بقاءه أمر دائم! ثم يأتي الموت فجأة ليقول لنا إنّ الثغرات الكبرى تبدأ غالبًا برحيل الأشخاص الذين ظننا أن الوقت ما زال طويلًا للاستفادة منهم، أو لتخريج من يحملون رسالتهم من بعدهم، ولهذا فإنّ الصّورة لا ينبغي أن تكون خاتمة الحكاية، بل بدايتها.
غير أنّ هذا المشهد، على عظمته، لا ينبغي أن يدفعنا فقط إلى التساؤل عن عدد من حضروا جنازة الشيخ محمد العيد التجاني، وإنما إلى سؤال أعمق وأهم: ماذا صنع هذا الرجل في الناس حتى كان رحيله بهذا الحجم؟
هنا تبدأ قصّة الشّيخ، لا تنتهي.
رحم الله الشّيخ محمد العيد التجاني، شيخ الزّاوية التجانية بتماسين، الذي غادر الدّنيا عن عمر ناهز اثنتين وسبعين سنة، بعد مسيرة طويلة في الدّعوة والتربية والنّصيحة والإرشاد والإصلاح، وبعد أن تولّى مشيخة الزّاوية منذ يناير سنة 2000، خلفًا لوالده المرحوم الشّيخ محمد البشير التجاني.
لقد أمضى أكثر من ربع قرن في حمل أمانة المشيخة، وهي أمانة لا تختصرها تسمية، ولا يختزلها منصب؛ لأنّ شيخ الزاوية، في معناها التربوي والاجتماعي، ليس مجرّد من يجلس في صدر مجلس أو يتقدّم النّاس في مناسبة، وإنّما هو رجل يُرجع إليه النّاس في العلم والنّصيحة، ويجدون عنده كلمة تهدي، وموقفًا يصلح، وموعظة توقظ، وحضورًا يمنح الطمأنينة.
وهذا هو معنى الرّجال الذين يتركون أثرًا حقيقيًا في مجتمعاتهم.
تخبرنا الجنازات كثيرًا عن أصحابها، ولكن ليس بالضرورة بعدد المشيعين وحده.
قد يموت الإنسان فتخرج خلفه جموع كبيرة بحكم المنصب أو الشّهرة أو الظروف، ثم ينتهي كلّ شيء بانتهاء مراسم الدفن، لكن جنازة المربي شيء آخر؛ لأنّ الذين يشيعونه لا يودّعون شخصًا فقط، بل يودّعون مرحلة من حياتهم.
في الصور التي غطّت الفضاء الإعلامي المتنوّع، لا نرى أعدادًا فحسب؛ نرى علاقة، نرى أناسًا يريدون الاقتراب من النّعش، وكأنّ بينهم وبين صاحبه صلة لا يريدون أن تنقطع حتى اللّحظة الأخيرة، نرى الوجوه المتأثّرة، والأيدي الممتدّة، والجموع التي ملأت فضاء الزّاوية وساحاتها وممرّاتها.
ومن علٍ تبدو الجموع كأنّها بحر بشري هائل، فيما تغيب الشّمس في الأفق.
ويا لها من صورة تختصر معنى الرّحيل المرغوب!
“شمس تغيب، ورجل يغادر الدنيا، لكن في الأسفل تبقى جموع الناس شاهدة على أن شيئًا منه سيبقى”.
فالشّيخ لم يترك وراءه جدران الزاوية فقط، وإنما ترك رجالًا ونساءً عرفوا كلمته، وشبابًا سمعوا نصحه، وطلابًا انتفعوا بعلمه، وقلوبًا لامسها بحضوره، وأناسًا ربما غيّرت نصيحة منه مسارًا في حياتهم.
وهذا هو الخلود الذي يستطيعه الإنسان في الدنيا: أن يترك من الخير ما يستمر بعده.
رحيل العلماء والمربين مؤلم لسبب يتجاوز الحزن على شخص عزيز.
فالمربي لا يموت مرة واحدة؛ إنه يرحل جسده أولًا، ثم يبدأ المجتمع في اكتشاف حجم الفراغ الذي تركه.
كان النّاس يعرفون أين يجدونه، ومتى يستشيرونه، ومن يقصدون إذا اختلفوا، ومن يسمعون منه كلمة التذكير والنصيحة، كان وجوده جزءًا من انتظام الحياة من حوله.
ومن هنا فإنّ جنازة الشّيخ محمد العيد التجاني ينبغي أن تكون مناسبة للحزن، نعم، لكنّها ينبغي أن تكون أيضًا مناسبة لليقظة.
لذلك فإنّ الوفاء للشيخ محمد العيد التجاني لا يكون بكثرة المراثي وحدها، ولا بنشر صور جنازته، ولا بتعداد خصاله في أيام العزاء، كلّ ذلك جميل ومشروع في مقام الوفاء، لكنّه لا يكفي؛ إنّ أعظم وفاء له أن تتحوّل سيرته إلى طاقة استمرار.
أن يُحفظ علمه ودروسه ومواعظه، وأن تُوثّق تجربته، وأن يُعتنى بتلامذته، وأن يُفتح المجال للشّباب ليتعلّموا ويتربوا ويتحمّلوا المسؤولية، وأن تستمرّ مشاريع الإصلاح والخير التي كان يحثّ عليها.
فالشّيخ الذي عاش يحض الناس على طلب العلم والعمل والعبادة والفضيلة، لا ينبغي أن تكون آخر ثمرات حياته مجرد جنازة مهيبة؛ بل ينبغي أن يكون من ثمارها جيل جديد من أهل العلم والعمل والإصلاح.
وهنا تتحول الجنازة من نهاية إلى بداية.
رحم الله الشيخ محمد العيد التجاني، وجزاه عن العلم والدّعوة والتربية والإصلاح خير الجزاء، ورحم والده الشّيخ محمد البشير التجاني، وجعل ما قدّمه الابن وما قدّمه الأب في ميزان حسناتهما.
لقد غابت شمس الرّجل، لكن الشّمس حين تغيب لا تعني أنّ النور انتهى؛ فهناك ما يبقى من ضوئها في الأفق.
وكذلك الرّجال الكبار، يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون نورًا في الطريق.
والسؤال الذي يواجه الأحياء بعد رحيلهم ليس: لماذا ماتوا؟ فالموت سنة الله؛ وإنما السؤال الأجدر:
هل سنترك الثغرة مفتوحة، أم سنحمل الأمانة التي تركوها وراءهم؟
رحم الله الشّيخ، وجعل هذه الجموع التي خرجت لوداعه شاهدًا على أثره، وجعل هذا الرحيل المهيب باعثًا على تجديد العهد بالعلم والتربية والإصلاح، “رحل الشيخ… لكن الرسالة لم ترحل“.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين