توجت العالمة الجزائرية ياسمين بلقايد بجائزة مؤسسة لويس جانتي السويسرية للطب لسنة 2026، تقديرا لأبحاثها الرائدة في علم المناعة، وخاصة في فهم التفاعل المعقد بين التغذية والميكروبات والجهاز المناعي ودورها في حماية الجسم من الأمراض المزمنة والمعدية.
ويأتي هذا التتويج تكريما لمسار علمي طويل للباحثة التي تتولى حاليا منصب المديرة العامة لـمعهد باستور باريس، وهو أحد أبرز المراكز البحثية في العالم في مجالات الأحياء الدقيقة والأمراض المعدية واللقاحات.
وقد قادت بلقايد خلال مسيرتها مشاريع بحثية كبرى ساهمت في تغيير الفهم التقليدي للعلاقة بين الإنسان وميكروبيومه الداخلي، أي مجموع الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجسم.
من هي ياسمين بلقايد؟
ولدت ياسمين بلقايد سنة 1968 في الجزائر العاصمة، وتخرجت من جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين، حيث درست الكيمياء الحيوية، قبل أن تواصل دراساتها العليا في فرنسا، وتحصلت على الدكتوراه في علم المناعة من معهد باستور.
لاحقا، انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث شغلت مناصب بحثية في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، كما قادت برامج علمية مرتبطة بالميكروبيوم والمناعة البشرية في المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية.
وقد انتجت بلقايد أكثر من 220 بحثا علميا منشورا في مجلات دولية مرموقة، ما جعلها من أبرز الأسماء العالمية في علم المناعة والميكروبيولوجيا.
أبحاث محورية غيرت فهم المناعة
تركزت أعمال ياسمين بلقايد على دراسة كيفية تفاعل الجهاز المناعي مع “الميكروبات النافعة” التي تعيش في الجسم، وكيف ينجح هذا التوازن الدقيق في حماية الإنسان من الأمراض.
وأظهرت أبحاثها أن الجهاز المناعي لا يعمل بمعزل عن هذه الكائنات، بل يعتمد عليها لتنظيم استجابته ضد العدوى والالتهابات.
كما درست ما يعرف بـ”مناطق الحماية” في الجسم، مثل الجلد والأمعاء والرئتين، وهي مناطق حساسة تتعرض باستمرار للعالم الخارجي.
وقد بينت أن هذه المناطق ليست مجرد حواجز، بل أنظمة بيولوجية معقدة تتفاعل مع الميكروبات لتشكيل خط الدفاع الأول ضد الأمراض.
ومن أبرز إسهامات بلقايد العلمية توضيح تأثير التغذية على المناعة، حيث أثبتت أن عناصر غذائية محددة، مثل فيتامين “أ”، تلعب دورا محوريا في تنظيم الاستجابة المناعية داخل الأنسجة.
كما بينت أن النظام الغذائي يؤثر بشكل مباشر على تركيبة الميكروبيوم، وبالتالي على قدرة الجسم على مقاومة الالتهابات.
ووفق أبحاثها، فإن أي اضطراب في هذا التوازن الغذائي-الميكروبي قد يؤدي إلى أمراض مزمنة مثل الحساسية وداء كرون والالتهابات الجلدية المزمنة، ما جعل أعمالها مرجعا أساسيا في الطب المناعي الحديث.
فهم أعمق للأمراض الالتهابية
ساهمت بلقايد أيضا في تفسير الآليات الخلوية والجزيئية التي تتحكم في الالتهاب داخل الجسم، من خلال دراسات حول الخلايا المناعية التنظيمية ودورها في منع ردود الفعل المفرطة التي تسبب تلف الأنسجة.
كما بحثت في كيفية تأثير الحمض النووي ومشتقاته في تنظيم الاستجابات المناعية، وكيف يمكن لهذه الآليات أن تساعد في تطوير علاجات مستقبلية أكثر دقة للأمراض الالتهابية والمعدية.
قيمة جائزة لويس-جانتي
تعد جائزة لويس-جانتي من أبرز الجوائز الأوروبية في الطب الحيوي، وتمنح منذ عام 1986 للباحثين الذين قدموا إسهامات علمية ذات أثر مباشر على صحة الإنسان.
وتبلغ قيمتها الإجمالية نحو 1.4 مليون فرنك سويسري، حيث يحصل كل فائز على تمويل مخصص لدعم أبحاثه المستقبلية.
وتهدف الجائزة إلى دعم الابتكار العلمي وليس فقط تكريم الإنجازات السابقة، ما يجعلها منصة لدعم الاكتشافات الطبية المستقبلية في أوروبا والعالم.
وإلى جانب هذا التتويج، حصدت ياسمين بلقايد عددا من الجوائز الدولية المرموقة، كما تم انتخابها عضوا في أكاديميات علمية عالمية، تقديرا لإسهاماتها في تطوير فهم المناعة البشرية، وخاصة العلاقة بين الميكروبات والأمراض المزمنة.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين