الرئيسية » تحقيقات وتقارير » المترشحون والعلاقات الجزائرية-الفرنسية.. وقود الحملة أم وعود لمآرب أخرى؟

المترشحون والعلاقات الجزائرية-الفرنسية.. وقود الحملة أم وعود لمآرب أخرى؟

فرنسا ورئاسيات الجزائر.. وقود حملة المترشحين أم وُعود لمآرب أخرى؟

مع بداية العد التنازلي للانتخابات الرئاسية في الجزائر المقرر في 12 ديسمبر سارع المترشحون الخمسة إلى تناول العلاقات الجزائرية_الفرنسية في خطاباتهم السياسية، وقدّم كل مترشح وجهة نظره حول إعادة إحياء الذاكرة مع المستعمر القديم.

لطالما شكلت هذه العلاقة وقودا بالغ الأهمية في الحملات الرئاسيات السابقة، والاستثمار في ملف يعتبره الجزائريون مهما لمستقبلهم، لكن بعد الحراك الشعبي تغيرت المعطيات، إذ يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي زين الدين خرشي في حديثه مع أوراس أن “الحراك وضع حدا للاستغلال السياسي لتاريخ الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، كما أدرك أن استمرار النظام السابق هو استمرار للوضعية الاستعمارية”.

فشل الرؤساء السابقين في تحقيق وعودهم بتسوية ملف الذاكرة مع المستعمر القديم خاصة ما تعلق باعتذار فرنسا عن الجرائم التي ارتكبتها طيلة 132 سنة وتعويض ضحايا التفجيرات النووية، بالإضافة إلى استرجاع الأرشيف وجماجم المقاومين، جعل الجزائريين لا يهتمون ولا يثقون في هذه الخطابات.

 ويشير خرشي إلى أن الراغبين في الجلوس على كرسي قصر المرادية وحدهم من يعتقدون أن هذا النوع الخطاب له فعالية، لكن في الواقع لم يعد له تأثير، وحتى بعض الفئات القليلة التي كانت تؤمن به أصبحت تدرك أن هذه الخطابات لن تتحقق، ويرى أن “الغاية من هذه الوعود هي دغدغة مشاعر الجزائريين، لكن الجيل الحالي تجاوزها”.

أدرك الحراك أن استمرار النظام السابق هو استمرار للوضعية الاستعمارية

أدرك الحراك أن استمرار النظام السابق هو استمرار للوضعية الاستعمارية

وعود المترشحين

تطرق المترشحون الخمسة لملف العلاقات الفرنسية الجزائرية قبيل انطلاق الحملة الانتخابية، فتعهد علي بن فليس بإعادة العلاقات الثنائية إلى مستواها، وشدّد على مطلب اعتذار فرنسا على جرائمها خلال فترة الاحتلال وقال: “الجزائر عاشت الإبادة الجماعية، والاستعمار جريمة ضد الإنسانية، فلا بد من اعتذار فرنسا.. ولكن ليست لدينا القوة للحصول على الاعتذار”.

أما المترشح عن حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة يرى أن جزائر ما بعد الحراك لا تقبل إلا بالندية والمعاملة بالمثل وفق ما يحقق مصالح الشعب الجزائري، “وعليه لن تكون علاقاتنا مع فرنسا عادية حتى نطوي الملفات العالقة تاريخيا.. فرنسا دولة لها مصالح وعليها أن تعيد مراجعة كيفية حفظ مصالحها في إطار الاحترام المتبادل، لأننا نريد حماية مصالحنا أيضا”.

فيما تعهد المرشح الأصغر في رئاسيات 12 ديسمبر عبد العزيز بلعيد ببناء علاقات مع فرنسا على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل “ولن تكون لها أي خاصية أخرى خارج هذا الإطار”.

ومن بين التزامات المترشح عبد المجيد تبون تعهد بالعمل على ربط علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وقال “السيادة الوطنية خط أحمر ونحن مستعدون للذهاب بعيدا ضد كل من يمس سيادتنا”، مضيفا أن “اعتراف فرنسا بالجرائم الاستعمارية مهم لنا ولهم أيضا، يجب عليهم أن يعالجوا هذا الملف لا أن يتجاهلوه”.

وعلى عكس مطلب المترشحين باعتذار فرنسا عن جرائمها يرى عز الدين ميهوبي أن حل مشكلة الذاكرة يكمن في إعادة دراسة الخطاب التاريخي داخل المجتمع والأسرة، وقال ميهوبي: “لسنا بحاجة إلى القول إن الفرنسيين أخطأوا في حقنا، وكتب مذكرات جنرالاتهم وحدها تمثل الاعتراف الواسع”، وتساءل وزير الثقافة السابق “ماذا سيتغير إن اعترفت فرنسا بجرائمها في حق الشعب الجزائري وتعتذر! نحن كبار بانتصارنا وبثورتنا والذاكرة باقية ولن تمحى بممحاة”.

الجيل الحالي تجاوز خطاب المترشحين

الجيل الحالي تجاوز خطاب المترشحين

شرعية الرئيس القادم

هذا الخطاب السياسي للمترشحين يعتبره أستاذ العلاقات الدولية محمد عمرون تجيِّيش لعاطفة المواطنين من أجل استمالة أكبر قدر من المنتخبين لأنهم يدركون حساسية الملف، لكن على أرض الواقع إعادة ترتيب العلاقات مع فرنسا مرتبط بموازين القوى وليس بالخطابات، وهذا يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى على كل المستويات لبناء الدولة سياسيا وتطوير اقتصادها، وأضاف عمرون أن الترسبات الكبيرة التاريخية في العلاقات الثنائية “لم يتم معالجتها معالجة صادقة وإنما كانت للمتاجرة السياسية”.

وفي ظل الأوضاع المختلفة التي تجرى فيها الانتخابات مع استمرار الحراك ورفض شريحة واسعة من المواطنين إجراء هذا الاقتراع، يعتقد مراقبون أنها ستؤثر على شرعية الرئيس القادم، وهو ما يصعب عليه فتح ملف العلاقات مع فرنسا -وفق خرشي-، وفي نفس السياق يشير محمد عمرون إلا استحالة اجراء تعديلا في سلوك الخارجية الجزائري برئيس منقوص الشرعية.

ويشير أستاذ علم الاجتماعي السياسي إلى وجود لوبيات نافذة داخل أجهزة الدولة الجزائرية تمنع الطرح الجاد لملف الذاكرة والعلاقات مع فرنسا، مثل القانون الممجد للاستعمار الفرنسي، حيث كانت الإرادة متوفرة لبعض النواب الجزائريين للردّ بقانون أخر، لكن مشروع قانون تجريم الاستعمار سُحب من البرلمان في أخر لحظة قبل التصويت عليه، للحفاظ على مصالح الدولة العميقة الفرنسية (فرنسا غير الرسمية) في الجزائر، لأن فرنسا الرسمية تُعبّر دبلوماسيا عن ملف العلاقات الثنائية.

وفي سنة 2005 لم يسمح الرئيس السابق للمجلس الشعبي الوطني عمار سعيداني بسنّ قانون تجريم الاستعمار ردّا على قانون “تمجيد الاستعمار”، الذي سنّه البرلمان الفرنسي في العام نفسه، دون تقديم أسباب واضحة لسحب مشروع القانون في ليلة المصادقة عليه.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية أن قانون تجريم الاستعمار ظهر إلى السطح لأنه كان هناك خلاف بين الرئيس السابق بوتفليقة ومسؤولين فرنسيين، ولكن وبمجرد أن طوي هذا الخلاف وُضع القانون في الدُرج وأصبح ورقة سياسية للضغط على فرنسا كلما ظهر خلاف سياسي بين النخبتين الحاكمتين في البلدين.

توظيف ملف العلاقات مع فرنسا في كل انتخابات رئاسية يُرجعه خرشي إلى “أغراض شعبوية تجنيدية وممنوع طرحه بطريقة جدية، وكلما نصل لتطبيق الفعل تظهر قوة خفية في جهاز الدولة تعطل تفعيل القول”، وعن سبب عدم ردّ الجانب الفرنسي على خطابات المسؤولين الجزائريين يعتقد الباحث في علم الاجتماع السياسي أنه يوجد اتفاق ضمني بين الطرفين”.