الرئيسية » مقالات الرأي » “شارع حيفا” لمهند حيال .. تشريح للعنف الذاتي

“شارع حيفا” لمهند حيال .. تشريح للعنف الذاتي

عادة ما يطرح سؤال من المسؤول عن الاقتتال الطائفي بعد سقوط حكم البعث في العراق؟ وهل أمريكا هي التي جلبت للعراق هذا الاقتتال على الهوية الطائفية؟ الحقيقة المرة التي فضحتها الديمقراطية هي أن الشعةب العربية عامة وليس العراق فقط غير متصالحة مع نفسها، وأن هناك خزين هائل من الأحقاد بين مكوناته لا ينتظر سوى الفرصة لكي يطفو إلى السطح ويظهر في ثوب العنف الأعمى المؤدي للاقتتال لا محالة؟ هذه الأسئلة يشرحها المخرج العراقي مهند حيال عبر شريطه السينمائي الروائي الطويل “شارع حيفا” ويحاول التركيز على الذات الإنسانية التي تخندقت تحت مسميات العنف والتطرف كدخان ينبعث من تحت السطح فانتظر الفرصة للانفجار وإخراج الكم الهائل من الطاقة السلبية.

الفيلم العراقي “شارع حيفا” المتوج مؤخرا بجائزتين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 41 التي اختُتمت فعالياتها مؤخرا؛ إذ حاز جائزة أحسن أداء تمثيلي، وحصل عليها بطل العمل علي ثامر، كما حصل على جائزة سعد الدين وهبة لمسابقة آفاق السينما العربية كأحسن فيلم عربي، وقبلها توج بالجائزة الكبرى لمهرجان بوسان السينمائي الدولي.

ينقلنا الفيلم على مدار 80 دقيقة إلى قلب شارع حيفا أين يصور حجم المعاناة التي وُلدت من رحم الحرب الطائفية وكمّ الضغوطات التي عايشها العراقيون، كما أنه يحاكي البنية المهمشة للمجتمع العراقي ويجسد عبر كاميرته العنف الهائل فالناس يموتون بطريقة بشعة ويتحكّم ممثلو الطوائف برقاب الناس، ويتحول شارع حيفا لواحد من أخطر شوارع الحرب الأهلية، وسط انتشار مخيف للقنّاصين على السطوح وبغير القتل يمارسون إرهابا نفسيا ممنهجا، فالكل خائف ينتظر مصيره المأساوي أو حين تغدو حيوات الناس في يد قتلة متجردين من أي قيم للإنسانية.

سلطة مخيفة يمارسها القناص في الفيلم، يرصد عبر عدسة بندقيته كل من يمر جنب ضحيته أو يحاول مساعدته، يتفنن في تعذيبه فالانتظار في حد ذاته نوع من الرعب الكامل، هذه السلطة هي مرآة عاكسة لسلطة سياسية أخرى هي السلطة الدينية، فالحرب والحصار أصبحتا من يوميات العراقيين.

يحفر مهند حيال في ذات القناص، ويحاول أن يكون حياديا في رصد واقع الأحداث بعيدا عن الذاتية، فهو في منأى عن ما يجري على الأقل في الفيلم، يغوص بقسوة في دواخل القناص وينقل تفكيره، اضطرابه، تناقضه، يعود لتاريخه أحيانا أخرى وما الدوافع التي جعلته يصبح على ما هو عليه، كل هذا وكأنه يستنطق عمق الشخصية ويثير الغموض فيها ويفضحه في آن، يرصد كيف تحول إلى جهة في المواجهات المسلحة بوسط بغداد.

لا يبقى النص السينمائي لمهند حيال وهالة سلمان رهينة القناص وحده بل يتعداه لشخوص أخرى محيطة به، شخوص ترصدها عدسة القناص الذي يتفنن في تعذيب ضحيته بلغة التخويف والانتظار والحصار، فتمتزج هذه اللغة لتصير قاسما مشتركا عند الكل فالمصير واحد والأمان غائب تماما وسط كل هذه الأهوال التي تحاصرهم في واقع مشؤوم كله تمزقات وصراعات، الكل يريد الانتقام من ماضيه أو التخلص منه، وتطفو إلى السطح قصص القذارة ومحاولة الاستثمار فيها من خلال “دلال” التي تسعى لإغراء “نادية” وإدخالها في عالم الدعارة.

تتوالى الصور في الفيلم حتى يصير بتيمة مضمنة بمتعة قاسية وباهظة الكلفة كصعقة كهرباء تهز  دواخلنا، نعيش ذلك التوتر الذي ترصده عدسة مهند حيال، خاصة حين  تتأرجح بين شخوص الفيلم مثل لعبة خطرة تسمح للصور أن تتسلل إلى  كياناتنا وتصبح السينما حادة كسكين وحبل يلف أرواحنا، فتبدد وهم الطمأنينة والديمقراطية العربية الكاذبة، فيجعلنا الشريط كعرايا نعانق العالم البصري للمخرج ورهائن القناص.

يبرز من خلال الفيلم قوة الاشتغال الداخلي عند المخرج على شخوص الفيلم، ويؤكد جاهزية الممثلين الذين تحملوا ربما عبء قلة الحوار، فمهند حيال يريد تمرير الفكرة والإقناع عبر ترك الفرصة للتعبير الجسدي ليحل محل الحوارات فالطاقة الداخلية والتعبيرية التي يتمتع بها “سلام القناص” منحته المساحة الكافية من الوهج، بحيث مرر انفعالاته الشخصية المتأزمة والمعتمة إلى عين المشاهد دون تكلف أو قصد، وكانت بمثابة صرخة داخلية صدرها إلى ملامحه حتى في أقصى لحظات الصمت.