ليست نهضة الأمم حدثًا عابرًا، ولا تُصنع بالشّعارات أو الأمنيات، وإنّما هي حصيلة تراكم طويل لسياسات رشيدة ومؤسّسات فعّالة واستثمار مستمر في الإنسان والمعرفة؛ ولعلّ السّؤال الذي ينبغي أن يشغل النّخب الجزائرية اليوم ليس: هل تمتلك الجزائر مقوّمات النهضة؟، وإنّما: كيف يمكن تحويل هذه المقوّمات إلى تنمية مستدامة قابلة للقياس بحلول عام 2050؟
لقد أثبتت التجارب الدّولية أنّ الثّروات الطّبيعية ليست العامل الحاسم في تقدّم الدول، فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا حقّقت قفزات اقتصادية هائلة رغم محدودية مواردها، بينما بقيت دول غنيّة بالنّفط والغاز تعاني هشاشة اقتصادية بسبب اعتمادها على الرّيع، ويسمي علماء الاقتصاد هذه الظّاهرة بـ “لعنة الموارد”، حيث تؤدّي الوفرة الطّبيعية أحيانًا إلى إضعاف الحوافز نحو الإنتاج والابتكار.
اقتصاديًا، لا يتحقّق النمو طويل الأجل بزيادة الإنفاق أو توسّع الجهاز الإداري، وإنّما بارتفاع الإنتاجية، أي مقدار ما ينتجه العامل أو المؤسّسة من قيمة مضافة خلال وحدة زمنية معينة، فالإنتاجية هي المؤشّر الذي يفسّر الفارق الحقيقي بين الاقتصادات المتقدّمة والاقتصادات النّامية، لذلك فإنّ نهضة الجزائر تبدأ عندما يصبح رفع الإنتاجية هدفًا وطنيًا، في الصّناعة والزّراعة والخدمات والإدارة على حدّ سواء.
غير أنّ الإنتاجية نفسها ليست ظاهرة مستقلّة، بل هي نتيجة مباشرة لجودة المؤسّسات، فالدّولة التي تمتلك قضاءً مستقلاً، وإدارة شفّافة، وقوانين مستقرّة، وآليات فعّالة لمحاربة الفساد، تخلق بيئة جاذبة للاستثمار المحلّي والأجنبي، أمّا حين تصبح الإجراءات معقّدة، والقرارات غير مستقرّة، ويغيب اليقين القانوني، فإنّ تكلفة الاستثمار ترتفع، وتتراجع المبادرة الاقتصادية مهما كانت وفرة الموارد.
وإذا كانت المؤسّسات تمثّل العمود الفقري للتّنمية، فإنّ الإنسان يمثّل قلبها النّابض، لم تعد قوّة الدّول تُقاس بعدد الجامعات أو الشّهادات الممنوحة، بل بقدرة منظومتها التّعليمية على إنتاج مهارات حقيقية في الرّياضيات والعلوم والهندسة والذّكاء الاصطناعي والاقتصاد الرّقمي، فالاقتصاد العالمي يتّجه بسرعة نحو الصّناعات المعرفية، والدّول التي لا تستثمر في رأس مالها البشري ستجد نفسها خارج المنافسة مهما امتلكت من ثروات.
وتحتاج الجزائر كذلك إلى تجاوز مفهوم التّنويع الاقتصادي بمعناه التّقليدي، فليس المطلوب فقط زيادة عدد القطاعات، وإنّما رفع مستوى تعقيد الاقتصاد، أي الانتقال من تصدير المواد الخام إلى إنتاج سلع وخدمات عالية القيمة المضافة، مثل الصّناعات الدوائيّة، والبتروكيميائيات المتقدّمة، والمعدّات الكهربائية، والتكنولوجيات الرّقمية، والخدمات الهندسية، فكلّما ارتفع تعقيد الصّادرات، ارتفعت القدرة التنافسيّة للاقتصاد وازدادت فرص النمو المستدام.
وفي المجال الزّراعي، لم تعد المساحات المزروعة هي المعيار الحقيقي للنّجاح، بل كمّية الإنتاج لكل هكتار، وكفاءة استخدام المياه، والقيمة الاقتصادية للمحاصيل، ومدى ارتباط الزّراعة بالصّناعات الغذائية، ومع تصاعد الضّغوط المناخية، سيصبح الأمن المائي أحد أهم عناصر الأمن القومي، ما يفرض الاستثمار في التحليّة، وإعادة استخدام المياه، وتقنيّات الرّي الذّكي، باعتبارها استثمارات إنتاجية وليست مجرّد مشاريع خدمية.
أمّا قطاع الطّاقة، فينبغي أن يتحوّل من مصدر للإيرادات الخام إلى محرّك للتّصنيع، فقيمة الغاز الطّبيعي لا تكمن في تصديره فقط، وإنّما في تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مثل الأسمدة والبتروكيميائيات والمواد البلاستيكية المتخصّصة، إضافة إلى استغلال الإمكانات الشّمسية لإنتاج الكهرباء والهيدروجين الأخضر، بما يعزّز موقع الجزائر في أسواق الطّاقة المستقبلية.
وفي المقابل، لا يمكن لأيّ مشروع نهضوي أن ينجح في غياب اقتصاد رقمي متطوّر، فالثّورة الصّناعية الرّابعة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي حول البيانات والذّكاء الاصطناعي والحوسبة السّحابية والابتكار التكنولوجي، ومن ثمّ فإنّ الاستثمار في البنية التّحتية الرّقمية، ودعم الشّركات النّاشئة، وتطوير البحث العلمي، لم يعد خيارًا ترفيًا، بل أصبح شرطًا للبقاء في المنافسة الدّولية.
ولكيلا تبقى هذه الأفكار مجرّد شعارات، ينبغي أن ترتبط بأهداف كمّية واضحة يمكن متابعتها حتّى عام 2050، مثل رفع مساهمة الصّناعة التّحويلية في النّاتج المحلّي، وزيادة نسبة الصّادرات خارج المحروقات، وتحسين إنتاجية العمل، ورفع الإنفاق على البحث والتّطوير، وتحسين ترتيب الجزائر في مؤشّرات سيادة القانون وفعالية الحكومة، وزيادة عدد براءات الاختراع، وتعزيز مساهمة الاقتصاد الرّقمي في النّاتج الوطني.
إنّ النّهضة ليست قرارًا سياسيًا يُعلن، ولا مشروعًا يُنجز خلال عهدة حكومية واحدة، بل هي مسار تاريخي يقوم على تراكم الإصلاحات، ومن هذا المنظور، فإنّ السّؤال الذي ينبغي أن يوجّه السّياسات العمومية خلال العقود القادمة ليس: كم نملك من الموارد؟، وإنّما: كيف نحوّل ما نملكه إلى معرفة وإنتاجية وابتكار وقيمة مضافة؟ فحين تصبح هذه هي البوصلة، يمكن الحديث بجدّية عن جزائر 2050، لا بوصفها حلمًا، وإنّما مشروعًا وطنيًا يستند إلى العلم والمؤسّسات والعمل المنتج.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين