أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الشحن البحري، في أعقاب الهجمات الجوية الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على أراضيها، في خطوة تعد الأخطر على أسواق الطاقة منذ سنوات، نظرا إلى الموقع الاستراتيجي للمضيق الذي يمثل شريانا رئيسيا لتدفقات النفط والغاز في العالم.
شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، بما يتراوح بين 16.5 و20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات والوقود، .ما يجعله أهم ممر بحري لنقل الطاقة عالميا.
كما تعبر من خلاله نسبة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وتعتمد عليه صادرات دول الخليج الأساسية: السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران (أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط)، إضافة إلى قطر التي تنقل تقريبا كامل إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال عبره.
وجغرافيا، يقع المضيق بين إيران شمالا وسلطنة عمان جنوبا، ويبلغ عرضه نحو 33 كيلومترا عند أضيق نقطة، فيما لا يتجاوز عرض ممري الملاحة الرئيسيين ثلاثة كيلومترات لكل اتجاه، ما يجعله نقطة اختناق إستراتيجية لأي اضطراب عسكري.
تأثير مباشر على أسعار النفط
جاء القرار الإيراني فيما كان سعر خام برنت – المرجع العالمي لتسعير النفط – قد أغلق عند 72.48 دولارا للبرميل.
إلا أن التقديرات تشير إلى أن أي إغلاق كامل ولو ليوم واحد قد يدفع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 120 و150 دولارا للبرميل، وفق تقديرات سابقة لمحللين في أسواق الطاقة.
وتتعامل الأسواق عادة مع “علاوة المخاطر” فور اندلاع الأزمات، ما يعني أن الأسعار قد تقفز حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات، بسبب ارتفاع تكاليف التأمين، وإعادة توجيه السفن، وتباطؤ عمليات الشحن.
كيف يؤثر غلق المضيق على الجزائر؟
تجد الجزائر نفسها منذ الساعات الأولى للتصعيد العسكري ضد إيران أمام تحديات قد تنعكس مباشرة على سوق الطاقة العالمي، مع تصاعد الحديث عن احتمال تعطيل مضيق هرمز، الممر الحيوي للنفط والغاز.
ويضع هذا السيناريو عائدات المحروقات ضمن مسار محتمل للارتفاع على المدى القصير، مقابل مخاطر أوسع إذا تحولت الأزمة إلى اضطراب فعلي في الإمدادات، ما قد يرفع كلفة الطاقة عالميا ويغذي التضخم، ويضغط على الطلب والنمو.
وفي هذا السياق، يصبح النفط والغاز مصدر فرصة مالية جزئية للجزائر، لكنه يحمل بذور المخاطر، بحيث أن أي ارتفاع كبير في الأسعار يعزز الإيرادات والاحتياطات، لكنه يرفع أيضا تكاليف النقل والتأمين وواردات المواد الأساسية، ما يضغط على الميزانية المحلية ويغذي التضخم.
وهكذا، يبرز التحدي الجزائري في إدارة الموازنة بين الاستفادة من المكاسب المؤقتة وتحوط الاقتصاد ضد صدمات عالمية محتملة.
تدمير ناقلة نفط حاولت عبور مضيق هرمز. pic.twitter.com/JoN2BQb3WF
— أخبار السعودية (@SaudiNews50) March 1, 2026
ضربة مزدوجة: النفط والغاز
لا يقتصر التأثير على النفط فحسب، إذ تمر عبر المضيق نحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميا، معظمها من قطر، التي صدرت أكثر من 80 مليون طن في عام 2025، مع استحواذ آسيا، خاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على الحصة الأكبر من هذه الصادرات.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات اضطراب الشحن، مع توقف عدد من ناقلات الغاز الطبيعي المسال وتريث شركات شحن يابانية كبرى عن عبور المنطقة.
ويحذر محللون من أن أي تعطيل طويل الأمد قد يؤدي إلى خفض إنتاج منشآت تسييل الغاز، ما قد يشعل أسعار الغاز والكهرباء في آسيا وأوروبا.
وتعد الصين أكبر مستورد للنفط العابر عبر مضيق هرمز، تليها الهند وكوريا الجنوبية واليابان.
كما تعتمد تركيا جزئيا على الغاز الإيراني عبر الأنابيب، بعقد سنوي يصل إلى 9.6 مليار متر مكعب.
وأي توقف مفاجئ للإمدادات قد يفرض على هذه الدول اللجوء إلى المخازن الإستراتيجية أو شراء شحنات فورية بأسعار مرتفعة، ما ينعكس مباشرة على تكاليف الصناعة والنقل والتضخم.
هل تتوفر بدائل حقيقية؟
تمتلك بعض دول الخليج مسارات بديلة، لكنها محدودة مقارنة بحجم التدفقات عبر المضيق:
- السعودية تعتمد على خط أنابيب شرق–غرب (ينقل النفط من بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر) بطاقة تقارب 5 ملايين برميل يوميا.
- الإمارات تمتلك خط حبشان–الفجيرة بطاقة تصل إلى نحو 1.5–1.8 مليون برميل يوميا، يتيح التصدير مباشرة إلى خليج عمان دون المرور بالمضيق.
- العراق لديه خط عبر تركيا، لكنه لا يغطي معظم صادراته الجنوبية التي تخرج عبر الخليج.
- الكويت وقطر والبحرين لا تملك بدائل بحرية حقيقية خارج هرمز.
بالتالي، حتى التشغيل الكامل للخطوط البديلة لا يعوض سوى جزء من الكميات التي تعبر المضيق يوميا، ما يبقي السوق عرضة لصدمة إمدادات إذا طال أمد الإغلاق.
تداعيات على إيران نفسها
رغم استخدام ورقة هرمز كورقة ضغط استراتيجية، فإن إيران تصدر نحو 90% من نفطها عبر المضيق، ما يعني أن الإغلاق الكامل قد يحرمها سريعا من عائداتها النفطية، ويضغط على اقتصادها الداخلي، خاصة في ظل العقوبات.
يجدر الإشارة إلى أنه من ناحية البعد القانوني يخضع مضيق هرمز لنظام “العبور الممري” وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تضمن حرية الملاحة الدولية في أوقات السلم، إلا أن قواعد المرور قد تتغير في حالات النزاع المسلح.
وعسكريا، تمتلك إيران وسائل متعددة لتعطيل الملاحة، تشمل صواريخ بحر–بحر، وألغاما بحرية، وغواصات صغيرة، وزوارق سريعة تابعة للحرس الثوري.
وفي المقابل، يتولى الأسطول الأمريكي الخامس، المتمركز في البحرين، مهمة حماية الملاحة في المنطقة، كما سبق أن قادت واشنطن تحالفات بحرية لحماية السفن خلال أزمات سابقة، أبرزها “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، وأزمة احتجاز الناقلات عام 2019.
تحذر تقارير اقتصادية من أن اتساع نطاق الصراع قد يقود إلى أكبر اضطراب في أسواق الغاز منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
فأسواق الطاقة اليوم أكثر حساسية، وسلاسل الإمداد أكثر ترابطا، وأي صدمة في هرمز قد تنتقل بسرعة من النفط إلى الغاز، ثم إلى الكهرباء والصناعات الثقيلة، وصولا إلى الأسواق المالية.
تاريخ من التوترات دون إغلاق كامل
لم يكن مضيق هرمز عبر تاريخه ساحة إغلاق كامل بقدر ما كان مسرحا لاختبارات القوة والرسائل المتبادلة.
فمنذ اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، أدرك الطرفان أن السيطرة على مسارات تصدير النفط تعني امتلاك ورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي.
وعندما قصفت بغداد عام 1984 منشآت جزيرة خارك الإيرانية، دخلت الحرب مرحلة “حرب الناقلات”، حيث استهدفت مئات السفن التجارية في الخليج وبحر عمان.
ورغم تعرض نحو 451 سفينة لهجمات بين عامي 1984 و1988، ظل المضيق مفتوحاً عمليا، لكن تحت حماية عسكرية دولية متزايدة، خصوصا بعد أن أطلقت الولايات المتحدة عملية مرافقة للناقلات الكويتية عام 1987.
وهذا النمط المنتهج بالتصعيد دون الإغلاق تكرر لاحقا، ففي صيف 2019، ومع احتدام التوتر بين طهران وواشنطن عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، عادت سياسة “الناقلات مقابل الناقلات”.
واحتجزت إيران ناقلة النفط البريطانية (Stena Impero) في المضيق، بعد أيام من احتجاز ناقلة إيرانية قبالة جبل طارق.
ورغم ارتفاع المخاطر، لم تقطع الملاحة، بل جرى تعزيز الوجود البحري الدولي لحمايتها.
وبين 2022 و2024، استمرت سياسة الرد البحري المحدود، ففي مايو 2022 احتجز الحرس الثوري ناقلتي النفط اليونانيتين (Delta Poseidon) و(Prudent Warrior) ردا على احتجاز شحنة نفط إيرانية بطلب أميركي.
وفي أبريل 2023 أعلنت طهران احتجاز الناقلة الأميركية (Advantage Sweet) في خليج عمان، ثم في أبريل 2024 احتجزت سفينة الحاويات MSC Aries المرتبطة بشركة الشحن” الإسرائيلية” ZIM، في رسالة ردع متزامنة مع تصعيد عسكري أوسع.
وبذلك تحول مضيق هرمز اليوم من ممر تجاري إلى ورقة جيوسياسية ثقيلة الوزن لا يهدد فقط صادرات النفط الخليجية، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد، حيث تتقاطع الجغرافيا بالطاقة والسياسة العسكرية والدولية في نقطة واحدة ضيقة لا يتجاوز عرضها بضعة كيلومترات، لكنها تتحكم في مصير مليارات الدولارات يوميا.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين