وفق مصادر مطلعة، تستعد العاصمة الإسبانية مدريد لاحتضان مسار تفاوضي جديد وغير مسبوق حول ملف الصحراء الغربية، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة وبمشاركة الأمم المتحدة، مما يعتبر تحولا لافتا في طريقة إدارة هذا النزاع الممتد منذ عقود.
ويعد هذا الإطار أول صيغة تفاوضية متعددة الأطراف من هذا النوع منذ المسيرة الخضراء سنة 1975، فيما يحمل اختيار مدريد، بصفتها القوة الاستعمارية السابقة للإقليم، بعدا رمزيا وسياسيا بالغ الدلالة.
وبحسب المعطيات المتداولة، دعت واشنطن وزراء خارجية الجزائر وموريتانيا والمغرب، إلى جانب مسؤول الدبلوماسية في جبهة البوليساريو، إلى اجتماع يعقد يوم الأحد بمقر السفارة الأمريكية في مدريد، في أجواء من التكتم، بهدف إطلاق مرحلة جديدة من النقاش السياسي حول تسوية النزاع.
لقاء معلن وآخر سري
اكتفت وزارة الخارجية الإسبانية بإعلان لقاءات ثنائية أجراها وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس في مدريد مع نظيريه الجزائري أحمد عطاف، والموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، مؤكدة أنه سيعقد كذلك لقاءات مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، والمبعوث الأممي إلى الصحراء الغربية ستيفان دي ميستورا، إضافة إلى السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز.
غير أن مصادر إعلامية إسبانية، من بينها إل “كونفيدينثيال” و”إل باييس”، تشير إلى أن هذه اللقاءات الثنائية تشكل غطاء دبلوماسيا لتحرك أكثر حساسية يجري بعيدا عن الأضواء، ويتمثل في اجتماع تفاوضي مباشر تشرف عليه واشنطن، ويشارك فيه جميع الأطراف المعنية بالنزاع.
وينسق هذا المسار مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، في ظل اعتبار الولايات المتحدة صاحبة قلم صياغة القرار الأممي الأخير الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر، والذي أقر دون أي اعتراض.
الحكم الذاتي في صلب المسار الجديد
يرتكز المسار التفاوضي الجديد، بحسب الصحافة الإسبانية، على قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه “الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق” للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع.
وفي هذا السياق، يتوقع أن يقدم المغرب نصا موسعا ومحدثا لمقترح الحكم الذاتي الذي كان قد طرحه لأول مرة سنة 2007، قبل الانتقال إلى جولات تفاوض لاحقة.
ووفق تسريبات دبلوماسية، فإن النسخة الجديدة من المقترح تفوق النص الأصلي بعشر مرات من حيث الحجم، وتتضمن توسيعا كبيرا لصلاحيات الهيئات المحلية، مع تصور لإقرار النظام الذاتي عبر استفتاء محلي، ثم إدماجه في الدستور المغربي بعد تعديل دستوري.
وتؤكد الرباط أن خيار الحكم الذاتي يجسد عمليا حق تقرير المصير، لكنها ترفض إدراج خيار الاستقلال ضمن أي استفتاء محتمل.
مواقف الأطراف الإقليمية والدولية
من جانبه، أعلن زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، من الجزائر، استعداد الحركة لإبداء “المرونة والتعاون” مع الجهود الدولية، مع التشديد على أن الكلمة الأخيرة يجب أن تعود للشعب الصحراوي في إطار ما وصفه بمسار تصفية استعمار.
كما ينظر إلى تقليص دور بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) كأحد الأهداف الأساسية للمغرب خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب موعد مناقشة تجديد ولايتها داخل مجلس الأمن، سواء في أفريل أو أكتوبر المقبلين، وذلك في ظل تقليصات مالية طاولت البعثة بالفعل وأثرت على نطاق عملها.
وفيما يتعلق بالموقف الإسباني، أكدت مصادر في وزارة الخارجية الإسبانية أن مدريد ما تزال متمسكة بدعم مسار الحل السياسي في إطار الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، من دون الانخراط المباشر في أي مسار تفاوضي بديل خارج الإطار الأممي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ملف الصحراء الغربية دخل بالفعل مرحلة جديدة، تدار فيها المفاوضات بشكل أكثر مباشرة من قبل القوى الكبرى، في ظل تراجع نسبي للدور الأممي التقليدي، وسط ترقب لما ستكشف عنه محادثات مدريد من مؤشرات قد ترسم ملامح التسوية المقبلة.
وفي السياق ذاته، اعتبر وزير خارجية جبهة البوليساريو، يسلم بيسط، خلال الندوة العربية للتضامن مع الشعب الصحراوي التي عقدت، الخميس الماضي، بمخيمات اللاجئين في السمارة، أن القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 يمثل «الحد الأدنى» لمواصلة التعاطي مع الجهود الأممية الرامية إلى إيجاد حل عادل ونزيه، يمكن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه المشروع في الحرية والاستقلال.
وأوروبيا، أبدى الاتحاد الأوروبي دعمه لجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لحل سياسي “عادل ودائم ومقبول من الأطراف”، خلال اجتماع في بروكسل ترأسته مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، بحضور ناصر بوريطة ونظرائه الأوروبيين.
واشنطن تعيد ترتيب الأولويات
يعكس هذا التحرك الأمريكي تحولا في نظرة واشنطن إلى ملف الصحراء الغربية باعتباره أولوية استراتيجية، مرتبطة باستقرار المغرب العربي، ومحيطه الأطلسي والساحلي، وبأهمية الموارد المعدنية الاستراتيجية في الإقليم، مثل الفوسفات والعناصر النادرة، في سياق التنافس التكنولوجي العالمي والصراع الصيني–الأمريكي.
كما تسعى إدارة ترامب، وفق المصادر ذاتها، إلى تسوية النزاعات المزمنة لتخفيف العبء عن الأجندة الدبلوماسية، والتركيز على شراكات ثنائية عملية قائمة على المصالح الاقتصادية.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين