“..لم تتوفر عند أهل الأندلس شركات متعددة الجنسيات لإنتاج الدواء واحتكاره بدافع الجشع لتعظيم الأرباح، كانت الأندلس تتداوى ذاتيًا بمختلف الأعشاب والفواكه وما نفع من حيوانات أو بعض أجزائها ومنتجاتها، بالإضافة إلى الجراحة التي ازدهرت بفضل أبي القاسم الزهراوي الذي كان يَستخدم أكثر من 200 أداة في عمليات التشريح وفتح بعض الأجزاء المعتلة من جسد المريض.”..هكذا وصف الباحث في التراث الجزائري والأندلسي والمؤرخ فوزي سعد الله “ميدان الصحة” في بلاد الأندلس.

قال سعد الله إنّه “معروف أنّ مؤلفات الزهراوي الأندلسي بقيتْ مرجعًا أساسيا للبشرية، بما في ذلك في أوروبا بعد أن تُرجمت أعمالُه، إلى غاية القرن 18م وبداية القرن 19م عندما بدأ الكذب والانتحال على البشرية يتنامى بإدعاء أن الطبيب الفرنسي كلود بيرنار هو أب العلوم التجريبية مثلما عَلَّمونا في المدارس بشكلٍ بيروقراطي بَافْلُوفِي يُشبِه ما يُسمَّى عادةً بـ: الغباء”.

أدوية عمرها قرون ..من هم مصنّعوها

وكتب سعد الله على صفحته بالفيسبوك، “من الأعشاب (محلية ومستوردة) التي كانت تزخر بها الأندلس وتُلَبِّي احتياجات أطبائها تَمَّ ابتكارُ وصُنع مختلف العلاجات بأدوية بسيطة وحيدة العنصر النباتي وأخرى مركبة ممزوجة بغيرها من النباتات والمنتجات الحيوانية والسوائل وحتى ببعض المسْتَحضرات الكيميائية بالطَّبخ والسَّحق والتَّحميض والإبْرَاد وِفقَ المصطلحات الطبِّية والصيْدلية التي كانت شائعة في تلك العهود. و-على حدّ تعبيره- بعضُ الذين يَجهلون أنهم جاهلون ودون حرج أو حياء يَستخِّفون بها ويَسْخَرُون.”.

وأكدّ المتحدث، أنّه على مدى قرون من عُمْرِ الأندلس وبعدها بأجيال، تَدَاوَى المسلمون وغيرُهم من البشر وبَرَأُوا من أمراضهم بذلك الشَّراب الحلو المَذاق لاحتوائه على السُّكَّر أو العَسَل المعروف إلى اليوم باسمه العربي الواضح، رغم ما اعتراه من تَصْحِيفٍ في اللغة الفرنسية، على سبيل المثال، بـ: Sirop .والذي يعود أصله إلى الكلمة العربية “شروب”.

كما تداووا بالأقراص المستديرة المعجونة من عدة عناصر طبيعية وكيميائية التي اشتهر في العلاج بها الطبيب أبو بكر سليمان بن بَاج وزميله أبو عثمان سعيد بن عبد رَبّه والتي كانت شائعةً في الأندلس ومختلف بقاع البلاد الإسلامية عند الخواص والعوام وما زال العالم كله يتطبَّب بها إلى اليوم.

ولم يخف المتحدث أنّ ” الأكحَال أيضا كانت أنواعًا بوظائف متنوعة ودقيقة الهدف حيث لِكُلٍّ منها علاج لِداءٍ مُعَيّن من أمراض العيون التي برع في مداواتها أطباء نوابغ على غرار أبي بكر بن بَاج وأحمد بن يونس الحَرّاني في قرطبة وأبي القاسم الزّهْرَاوِي، بالإضافة إلى “الشّيافات” كالشيافة التي عولج بها الخليفة الناصر في قرطبة عاصمة الأمويين في الأندلس عندما أصابه الرّمَد والتزم بالتداوي به حتى تعافتْ عينه وشُفي نهائيًا.

الترياق والبسونات والسفّوفات. لعلاج هذه الأمراض؟

 وبحسب سعد الله “هذه الأعشاب والنباتات أصبح اليوم يَستخِف بها بعضُ الذين يعتقدون أنهم فهموا أكثر من الفهم، أنتج بها الأطباء والصيادلة في الأندلس أنواعًا أخرى متعددة من الأدوية. من بينها البسونات، التي اشتهر منها بسون حمدين نسبةً إلى مخترعه الطبيب حمدين بن أبان. والذي تَذكُر المصادر أنه صُنع من “100 صنف من الأعشاب والنباتات الطبية”، على حد تعبير الباحث العراقي الدكتور نهاد عباس زيُنل في كتابه “الإنجازات العلمية للأطباء في الأندلس وأثرها على التطور الحضاري في أوروبا – القرون الوسطى 711م – 1492م”، وكذلك بسون جواد نسبةً إلى مُبتكِرِه الطبيب جَواد النصراني حسب شهادة ابن جلجل القرطبي صاحب كتاب “طبقات الأطباء”..

ويذكر سعد الله من الأعشاب التي استخدمت في الطب بالأندلس التّرْيَاقات وطوَّروا ما نهلوه منها من تجارب التراث الطبي البشري السابقة لعصرهم على غرار ما عَلِمُوهُ مِن كتاب “الحشائش” (أو Materia Medica حسب عنوانه الأصلي) للطبيب بِيدَانْيُوسْ دْيُسْقُورْيدِسْ ( Pedanius Dioscorides) والذي أصبح من بين أهم مراجع مشاهير أطباء الأندلس في القرن 11م كمسيلمة المجريطي واليهودي حسداي بن شبروط وابن جلجل، وكان إحدى الهدايا الثمينة لإمبراطور بيزنطة للخليفة الأموي في قرطبة عبد الرحمن الثالث.

والتّرْيَاق، وهو كلمة يونانية الأصل، دواء معجون عمومًا في العَسَل لمعالجة الإصابات بِسُمومِ الحيوانات البرِّية كالثعابين والعقارِب والسُّموم المدسوسة في المأكولات والمشروبات بِغَرَضِ الاغتيال. وفق شرح سعد الله.

وذكر المتحدث: “الترياق الفاروق” الذي تَحَدَّثّ عنه الطبيب أبو القاسم الزَّهْرَاوِي المتوفي سنة 1013م في كِتابه “التَّصْرِيف لِمَنْ عَجَزَ عَنْ التَّأْلِيف”…. كما تداوى أهل الأندلس بما عُرِف بـ: “السّفوفات” أعشاب مسحوقة اشتهر بها الطبيبان الأندلسيان حمدين بن أبان وجواد النصراني، وأيضا بـ:”الجوارشنات” الخاصة عادةً بعلاج أمراض الجهاز الهضمي والتي كثيرًا ما صنعها الطبيب الحرّاني للخليفة الأموي المستنصر في قرطبة.

وأوضح المتحدث أنّ “هذه العلاجات المعتمِدة على الأعشاب والنباتات ليست كلَّ ما جاد به الإبداع الأندلسي في مجال الطب والصيدلة بل هي مجرَّد عيِّنات. فمن بينها ما كان يُعرَف بـ: “اللّعوقات” المضادة لأمراض الصّدر والجهاز التنفسي، و”المبردات” لِخفض درجة حرارة الجسم لا سيما عند الإصابة بالحمّى التي نَبَغَ في علاج مختلف أنواعها الطبيب سعيد بن عبد ربّه، و”المراهم” التي تُوضَعُ على الجروح والقروح والتي بَرَزَ في صُنعها الطبيب محمّد بن طملون، و”المعاجين” كذلك المعجون المعروف في الأندلس بـ: “المُغِيثُ الكبِير”، حسب صاحب “طبقات الأطباء” ابن جلجل القرطبي، والذي ابتكره الطبيب يونس الحرَّاني الذي أتى به في أحماله قادِمًا مِن المشرق عندما اختار الرحيل إلى الأندلس والاستقرار في ربوعها.

العشابون..من هم؟

وتابع قوله إنّ ” العديد من أنواع الأدوية في الأندلس كانت تستخدم نبات عُرف بـ: “الجنطيانا” وهو عبارة عن شجرة تنبتُ على قمم الجبال الباردة مثل جبل شلير المغطى بالثلوج على مدار السنة في مرتفعات البيرة الأندلسية، مثلما استخدم نبات “الوخشيزق” الذي جيء به من المشرق عام 999م وكان يُداوي به الأطباء المرضى الذين يعانون من الدود في بطونهم بعد خلْطه بالعسل والماء السّاخن. وذاع اسمُ نباتِ “بُسْتان أبروز” الذي جيء به مِن بلاد فارِس، (إيران)، واشتهر نبات “الأنيسون” الذي تداوى به الأمير عبد الرحمن الناصر على يد طبيبه عمران بن أبي عمر مثلما كان دواءً للخيفة الناصر أعدَّه له الطبيب أصبغ بن يحي… فضلًا عن نبات “الفاونيا” أو “ورد الحمير” ونبات “الحالبي” لعلاج آلام نوبات الصّرع على التوالي عند البالغين والأطفال ودهن البنفسج لعلاج حرقة الرأس وعصير ورق السّلق لمداواة قروح الرأس والحرمل لتخفيف السّعال والتين الجاف المطبوخ مع الحَلْبة لعلاج الاختناقات التنفسية ودقيق الحمّص المغلي مع الحليب للشفاء من بعض قروح الرئتيْن…إلخ.

ولتوفير هذه الأعشاب وغيرها للساهرين على صحة البلاد والعباد، كان لا بد من تضاعف أعداد المتخصصين فيها وانتشار دكاكين العارفين بها عبر البلاد، وقد اشتهروا نِسبةً إلى مهنتهم بـ: العَشَّابِين”. بحسب المتحدث.

ولم صاحب كتاب “الشتات الأندلسي” أصبح اسمُ المِهنة لقبًا عائليًا استمرَّ في الوجود لدى أحفادهم أيضًا بمن فيهم الأحفاد المعاصِرون لنا في الجزائر وفي غيرها من بلاد الإسلام. وكَمْ مِن عائلة ما زالت تحْمِل إلى اليوم لقبَ “العَشَّاب”. وأشهر العشابين في الأندلس وكثيرهم أطباء، خالد بن يزيد الرّومانِي.