الانتخابات التشريعية محطة أساسية في الحياة السياسية الجزائرية، فهي تمثل الوسيلة السلمية والقانونية  التي يُعبّر من خلالها المواطن عن اختياره.

لكن  قيمتها لا تُقاس فقط بموعد إجرائها أو بعدد القوائم والمترشحين المشاركين فيها، بل بما يمكن أن تحمله من قدرة على تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وترسيخ الإيمان بأن الإرادة الشعبية ما تزال مصدر الشرعية وأساس البناء الديمقراطي.

في الجزائر نخوض استحقاقًا تشريعيًا جديدًا في سياق سياسي واجتماعي يتسم بكثير من التحديات والتطلعات، وفي ظل سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح على مختلف الفاعلين السياسيين ومؤسسات الدولة والمجتمع: كيف يمكن استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والعمل السياسي؟.

يجب الإقرار بإنصاف أننا في الجزائر نجحنا في تكريس مبدأ احترام المواعيد الدستورية، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال مرحلة الحراك الشعبي سنة 2019، حين تمسكت الدولة بخيار العودة إلى المسار الدستوري وتنظيم الانتخابات الرئاسية رغم حجم التحديات السياسية والظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها البلاد، ورفضت التوجه نحو مراحل انتقالية مفتوحة كانت نتائجها وتداعياتها محل جدل وتخوف لدى كثير من الجزائريين، وهذه العودة سمحت بالحفاظ على استمرارية المؤسسات وتجنب حالة الفراغ وأصبح احترام المواعيد الانتخابية اليوم مكسبا سياسيا ينبغي الحفاظ عليه وهي المقاربة التي نتبناها اليوم في حركة مجتمع السلم.

واليوم، ونحن على مقربة من الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من جويلية 2026، نجد أنفسنا أمام أحد أهم الاختبارات السياسية المتعلقة بعلاقة المواطن بالسياسة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة.

فهناك فئات واسعة من المواطنين انكفأت على ذاتها، وتراجع لديها الأمل في قدرة العمل السياسي على معالجة انشغالاتها اليومية المرتبطة بالسكن والشغل والصحة والقدرة الشرائية وتحسين ظروف الحياة مما يطرح سؤالا جوهريا حول قدرتنا كنخب و أحزاب سياسية ومترشحين على استعادة ثقة المواطنين الناقصة و إقناعهم بالتصويت أولا، ناهيك عن ربطهم بالشأن العام .

أولًا: أزمة الثقة… جذور عميقة وتراكمات ممتدة

لا يمكن فهم حالة العزوف السياسي والانتخابي دون الوقوف عند الأسباب التي أنتجتها عبر سنوات طويلة.

فالمواطن الذي لا يشارك في الانتخابات ليس دائمًا مواطنًا غير مهتم بالشأن العام، بل قد يكون مواطنًا فقد الثقة في جدوى المشاركة، نتيجة تراكمات متعددة تتعلق بأداء المؤسسات، وضعف فعالية المجالس المنتخبة، وغياب الأثر الملموس للتمثيل الشعبي على تحسين أوضاع المواطنين.

كما أن الرفض الإداري للترشح  الذي  طال عددًا معتبرًا من المترشحين والكفاءات الوطنية خلال إعداد القوائم الانتخابية الأخيرة، ومن مختلف التوجهات السياسية، ساهم في تعميق هذا الشعور.

فحين يشعر المواطن بأن بعض الأسماء والكفاءات التي يراها مؤهلة لخدمته وتمثيله تُستبعد لأسباب يراها غير مقنعة أو غير مفهومة بل يفسرها أنها لأسباب سياسية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى الثقة في المسار الانتخابي برمته.

ورغم أن قرارات الإقصاء طالت مترشحين من مختلف الأحزاب والتيارات السياسية -وقد تكون حركة مجتمع السلم الأقل تضررا من الناحية العددية -، فإن  المسألة مرتبطة بحق المواطن في الاختيار الحر بين مختلف الكفاءات الوطنية.

واستمرار هذا الواقع من شأنه أن يعمق الفجوة بين المواطن والعمل السياسي، ويخدش الثقة و قد تبين الآن أن اختيارنا لكلمة ثقة وتجسيدها في برنامج موسوم باسم “ثقة” كان اختيارا موفقا ذلك أننا فعلا بحاجة الى إعادة بناء الثقة وتعزيزها  في قلوب وعقول المواطنين قبل أي توجه إصلاحي آخر.

ثانيًا: لماذا تحتاج الجزائر اليوم إلى استعادة الثقة؟

إن أي مشروع للإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لا يمكن أن يحقق أهدافه في ظل فجوة أو نقص في الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبين المواطن والمسؤولين وبين المواطن والنخب.

فالثقة  رأس مال سياسي واجتماعي يسمح لنا بحشد الطاقات وتعبئة المجتمع لمواجهة التحديات الكبرى.

كما أن البرلمان الذي يُنتخب في ظل مشاركة واسعة وثقة شعبية مرتفعة يمتلك شرعية سياسية ومعنوية أكبر، وقدرة أعلى على أداء أدواره التشريعية والرقابية والتمثيلية.

ولهذا فإن نجاح الانتخابات المقبلة لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي ستُوزع أو بعدد القوائم المتنافسة، وإنما يقاس أساسًا بمدى قدرتها على إعادة الاعتبار لفكرة المشاركة السياسية وإقناع المواطن بأن صوته ما يزال ذا قيمة وتأثير وهو التحدي الذي يواجهنا جميعا رغم أن الأحزاب و المترشحين مسؤوليتهم محدودة في إضعاف الثقة و هم يتحملون العبء الأكبر في استعادتها الآن .

ثالثًا: شروط استعادة الثقة

إن استعادة الثقة ليست شعارًا سياسيًا، إنما هي مسار عملي يحتاج إلى إرادة سياسية وإصلاحات ملموسة.

أول هذه الشروط هو ضمان أعلى درجات النزاهة والشفافية في جميع مراحل العملية الانتخابية، بدءًا من قبول ملفات الترشح، مرورًا بالحملة الانتخابية، ووصولًا إلى إعلان النتائج.

ووجب التنويه هنا و أنا أكتب هذه الكلمات أن عددا من الولايات لم يتم اعتماد قوائم المترشحين فيها لحد الآن من مختلف الأحزاب في خرق واضح للآجال القانونية الناظمة للعملية الانتخابية و رغم الانطلاق الفعلي للحملة الانتخابية ابتداء من يوم 9 جوان، و قد بات واضحا أن التعديل القانوني الأخير لقانون الانتخابات حمل فجوات واضحة على مستوى رزنامة الآجال مما يستدعي مراجعته سريعا لاستدراك ما كان من نقائص و صعوبات أثرت على الجميع .

وثانيها هو تكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين والقوائم والأحزاب، بعيدًا عن أي تمييز أو إقصاء أو تضييق وهو الدور المنوط و المنتظر من السلطة المستقلة لتنظيم الانتخابات وفروعها.

ويبقى الشرط الأهم هو تمكين المواطنين من حرية الاختيار و الانتخاب النزيه  للكفاءات الوطنية عبر مختلف القوائم المرشحة المنتخبة، لأن المجالس النيابية القوية تُبنى بالكفاءة والتمثيل الحقيقي، لا بالإقصاء أو إفراغ الساحة السياسية من الطاقات القادرة على الإسهام في الإصلاح.

رابعا : المواطن شريك في الإصلاح لا مجرد ناخب

ورغم أهمية الإصلاحات المطلوبة من المؤسسات، فإن المسؤولية لا تقع عليها وحدها.

فالمواطن أيضًا معني بالمساهمة في استعادة الثقة من خلال الانخراط الإيجابي في الشأن العام، وممارسة حقه في الرقابة والمساءلة، والمشاركة الواعية في اختيار ممثليه.

إن المقاطعة قد تعبّر أحيانًا عن موقف احتجاجي مفهوم، لكنها لا تستطيع وحدها بناء البدائل أو إصلاح المؤسسات. أما المشاركة الواعية والمسؤولة فتبقى الوسيلة الأكثر فاعلية للتأثير والتغيير وتصحيح المسارات.

خاتمة

إن الجزائر بحاجة اليوم إلى انتخابات تعيد الأمل قبل أن توزع المقاعد، وتبني الجسور قبل أن تحسم النتائج، وتسترجع ثقة المواطن قبل أن تبحث عن نسب المشاركة.

شخصيا أتفهم حاجة البلد الى هندسة سياسية جديدة  منطلقها الشعب أولا لبناء ارضية صلبة أو منصة انطلاق راسخة و فكرة مركزية جامعة متوافق عليها ، على أساس ما لدينا من قدرات وإمكانات و ماهو متاح من فرص و فراغات يمكن شغلها و مستجيبة لما نعيشه من تحديات داخلية و خارجية ضاغطة على الجميع في ظل التنافس المحموم على حجز دور و مكانة و حيز تأثير في مربع المستقبل، و هذا التوجه حينما يتم فهمه يسهل  تفهمه و يتم تبينه و احتضانه والانخرارط فيه و انجاحه من طرف كل وطني غيور معبء تلقائيا للمساهمة في خدمة الوطن و المواطن وحفظ سيادته.