من غرائب ما يحدث حاليا بين عشرات وربما ملايين من المسلمين، التناحر والمد والجزر اللانهائي خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي فتحت المجال على مصراعيه لاختلاف امتد إلى خلافٍ في قضية جوهرية ومركزية مثل القضية الفلسطينية، والتي تُعتبر وكما كانت دائما أمُ القضايا عند المسلمين عامة والأمة العربية خاصة.

ورغم أن الاختلاف “وارد ولو قليلا”، لتبايُن وجهات النظر؛ “ولا وجهات نظر في الجوهر، وهو الحق في المقاومة من أجل التحرير”، إلا أن ما يحدث حاليا تجاوز الحدود بشكل غريب، في عزّ القصف والموت والتهجير والتشريد ومشاهد الدم الاستثنائية، فهل تَبادر إلى ذهنك أن هناك طرفا ثالثا يُغذي هذا الصراع الإلكتروني أكثر مثلا؟

لقد كشف الكيان الصهيوني حجم الهوة بين المسلمين والعرب، فإلى جانب تفوقه العسكري والسياسي واختراقه للأنظمة في دول عربية كثيرة، عمل أيضا على اختراق الجماهير مستغلا القاعدة الهشّة لكثير منها، والتي لا ترى في المقاومة سبيل نجاة من الاحتلال بل تتماهى مع الرؤية الصهيونية وتدعمها بعلم “هنُا كارثة” وبغير علم أيضا.

كتيبة فتنة

قبل التذكير بمثال شاس بن قيس التاريخي، والذي يعتبر رمزا وقصة تاريخية بارزة من بين كثير الأمثلة، نكتشف “الوحدة 8200″؛ وهي وحدة أمنية تجسسية صهيونية، تابعة لاستخبارات الكيان الصهيوني، وتمتلك إمكانيات هائلة، حيث تستطيع توفير كافة المعلومات اللازمة للجيش الصهيوني، من خلال اختراقات وعمليات تجسّس معتمدة على العمل السيبراني.

ومن بين الأهداف الأساسية لهذه الوحدة التي تأسست منتصف القرن الـ20، زرع الفتنة ومحاولة خلخلة وزرع البلبلة داخل المجتمعات العربية والمسلمة.

وتُعتبر هذه الوحدة أو الفرقة، أحد أخطر الوحدات الاستخباراتية في العالم، بل وربما أخطرها على الإطلاق، لما لها من تأثير عميق داخل المجتمعات في العالم عموما وبين العرب والمسلمين خصوصا.

القصة التاريخية لشاس بن قيس

روى الطبري بسنده وغيره عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس -وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة -يعني الأنصار الأوس والخزرج- بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار.

فأمر فتى شابا من اليهود وكان معه فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم فذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، وقال بعضهم لبعض: إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الحرة فخرجوا إليها وتحاوز الناس على دعواهم التي كانت في الجاهلية.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله.. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟!.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس.

فأنزل الله تعالى في ذلك: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون * قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون) {آل عمران:98-99}.

وأنزل في الأوس والخزرج: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)  {آل عمران:100-101-}.

“شاس بن قيس” على شاشة هاتفك!

يُعتبر هذا المثال لائقا في وصف الفتنة التي يمكن افتعالها بمنشورات وتغريدات بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما اكتشفه الصهاينة وجعلوا من الوحدة مركز تطبيقها، بإنشاء “حسابات وهمية” (الذباب الإلكتروني أو اللجان الإلكترونية)، على هذه المنصات بهدف نشر التضليل بطرح أخبار كاذبة أو مُحرَّفة لتشويه المقاومة الفلسطينية، وأيضا عبر تأجيج الخلافات بين المجتمعات العربية والإسلامية، عبر إثارة النزاعات الطائفية والدينية والعرقية، وكذلك توجيه الرأي العام لصالح الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في القضايا الحساسة مثل التطبيع أو الحرب على غزّة.

سُبل محاربة الوحدة

تُعتبر مواقع التواصل الاجتماعي صانعة وموجّهة للرأي العام، لذلك فإن الحرص على تحرّي الحقائق فيها واجب، خاصة خلال مواجهة “الفرقة 8200” الصهيونية، وذلك اعتمادا على ثنائية القوة التكنولوجية والوعي المجتمعي.

ولمواجهة هذه الفِرقة التفريقية، وجب تعزيز المناعة السيبرانية وأيضا تطوير قدرات هجومية رادعة للاستفادة من الثغرات “الإسرائيلية” الداخلية، ومحاربة التضليل الإلكتروني بإنشاء منصات إعلامية موثوقة تكشف أي كذب أو تضليل صهيوني، وتقوية الوحدة الداخلية بمواجهة الفتن الطائفية، وأخيرا دعم المقاومة الفلسطينية إعلاميًا بدحض أي أفكار كاذبة عنها خصوصا من ذباب هذه الفرقة سواء كان أجنبيا أو عربيا.

ولابد أيضا من توعية الشباب العربي والمسلم بالخطر الصهيوني الهادئ الذي لا صخب سلاح فيه، فالحرب اليوم ليست بالسلاح فقط، بل بالكلمة والصورة أيضا وهما أخطر في أحيان كثيرة.