في خطوة تاريخية، صادق المجلس الشعبي الوطني على مشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي ويصفه كـ”جريمة دولة”، مما أثار عدة تساؤلات حول البعد المالي والميزانية الضرورية التي يجدر أن تطالب بها باريس لنزع الألغام المزروعة على الأراضي الجزائرية وتعويض ضحايا الاستعمار الغاشم.
تكاليف عملية نزع الألغام
وفي هذا الصدد، أوضح الخبير الاقتصادي والمالي جلول سلامة، في تصريح لأوراس، أن عملية إزالة وتنقية الألغام الفرنسية انطلقت منذ ستينيات القرن الماضي، واستمرت لأكثر من خمسين عاما، بمساعدة خبراء روس، حيث جرى نزع نحو 9 ملايين لغم من أصل 11 مليون لغم زرعت على مساحة تقدر بـ62 ألف هكتار على طول الحدود الشرقية والغربية للجزائر، ضمن خطي شارل وموريس اللذين أنشأهما الاستعمار الفرنسي لمنع تحركات مقاتلي جبهة التحرير الوطني نحو المغرب وتونس.
وتشير الحسابات التي أفاد بها الخبير، إلى أن تكلفة التنقية الخام بلغت نحو 2.1 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى 0.5 مليار دولار أمريكي كمساهمة من الخبراء الروس، مع إضافة تكاليف المعدات واللوجستيات والتضخم لتصل التكلفة الإجمالية إلى حوالي 4 مليارات دولار أمريكي.
وحسبت تكلفة اللغم الواحد بحوالي 444 دولارا أمريكيا.
وأوضح الخبير جلول سلامة أن متوسط راتب المنقي الجزائري بلغ 60,000 دج شهريا (~420 دولار أمريكي) مع مكافآت، حيث عملت 35 فرقة محلية على مدى 51 عاما منذ 1965، بالتعاون مع خبراء روس لتعزيز الإنتاجية.
أما فيما يخص تعويض الضحايا، فقد شمل نحو 7.300 ضحية منذ عام 1963، مع تحديد تعويض متوسط 15,000 دولار أمريكي لكل ضحية وفقا لمعامل القوة الشرائية المحلي.
وعليه، يصل إجمالي التعويضات إلى نحو 1.1 مليار دولار أمريكي، ليصبح المجموع الكلي للميزانية المطلوبة لمعالجة آثار الاستعمار الفرنسي نحو 5.1 مليار دولار أمريكي في 2025، وهو الحد الأدنى الذي يجب على الجزائر المطالبة به من فرنسا، حسب الخبير.
أبعاد القانون التاريخية والسياسية
يهدف القانون إلى توثيق آثار الاستعمار الفرنسي الممتد من 14 جوان 1830 إلى 5 جويلية 1962، وتحديد المسؤوليات القانونية للدولة الفرنسية، مع فرض عقوبات على تمجيد أو الترويج للاستعمار.
ويتكون القانون من خمسة فصول تشمل 27 مادة، تغطي جميع الانتهاكات التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، مع فرض عقوبات على تمجيد الاستعمار أو الترويج له، تشمل السجن من 5 إلى 10 سنوات وغرامات مالية تصل إلى مليون دينار جزائري.
ويهدف النص إلى تثبيت الحقائق التاريخية وحماية الذاكرة الوطنية، بعيدا عن أي حسابات ثأرية، كما أوضح رئيس المجلس إبراهيم بوغالي في تصريحات سابقة.
وفيما يخص موقف باريس، أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن رفضها الخطوة، ووصفتها بأنها “مبادرة عدائية”، معتبرة أن القانون لا يتوافق مع الجهود الرامية لإعادة إطلاق الحوار الثنائي، لكنها شددت على استمرار باريس في خيار الحوار البناء مع الجزائر.
مقارنة مع التجارب العالمية
عند مقارنة تكلفة إزالة الألغام الجزائرية مع تجارب دولية مماثلة، مثل أنغولا التي بلغت فيها التكلفة الإجمالية نحو 2 مليار دولار أمريكي مع مساهمة خبراء روس، يظهر أن الجزائر أنجزت العملية بكفاءة أعلى، مستفيدة من الخبرة الروسية والتدريب المكثف للفرق المحلية، مع تعديل التكاليف وفقا لمستوى المعيشة المحلي ومعامل القوة الشرائية (PPA ~0.2).
وفي هذا السياق، شدد الخبير الاقتصادي جلول سلامة، أن إدراج هذه الحسابات المالية ضمن ملف قانون تجريم الاستعمار يعزز الموقف الدبلوماسي للجزائر، ويدعم هذه الخطوة القانونية بجانب مالي دقيق للمطالبة بالتعويضات المستحقة، مما يجعل الملف الاستعماري متكاملا بين البعد التاريخي والسياسي والمالي.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين